الأربعاء، 17 مارس 2010

عندما تمجد الخطيئة!



شيء ما يجمع بين فيلمي "العودة" للمخرج الأسباني بدرو ألمودوفار، و"الأولاد لا يبكون" للمخرجة الأمريكية كيمبرليبييرس.. سحابة واحدة من الأسى تظلل قرية كانفور ديلاس في لانشا الإسبانية، وفولس سيتي فينبراسكاالأمريكية، حيث تدور القصتان المتناقضتان.. شعور ما يوّحد بين بطلتيهما رايموندا (بنيلوب كروز) وبراندن(هيلاريسوانك).. أنوثة رايموندا الطاغية، تتقاسم تاريخاً ما، غصة ما، ثورة ما، مع نقمة براندن على مفاتنها كامرأة،ورغبتهافي التحول إلى رجل.. منتهى التضارب والتناغم في آن.. كيف؟ لم يرسم القدر للبطلتين "المقهورتين" مصيراًواحداً،لكنهما يتقاطعان.. يساورك هذا الشك إذا شاهدت ـ مثلي ـ أحد الفيلمين بعد الآخر، ويا حبذا لو استمعت منبعدهمالوردة... وردة؟!... نعم! وهي تغني رائعة محمد حمزة "أنده عليك" على لحن عبد الوهاب..! خليط لا يبدومنسجماً، لكنهفي الواقع كذلك.. لماذا؟ عرفت الإجابة فقط عندما أغمضت عينيّ، وسبحت في فضاء خيالي، فإذا بعالمفريد واحديجمع كل هذه العناصر المتنافرة، فيبرر أخيراً دهشتي وعاطفتي منذ شاهدت الفيلمين وأعدت الاستماعللأغنية..

المشهد الافتراضي الأول يجري ليلاً في حي ناء بمدريد، تتسلل فيه رايموندا وابنتها المراهقة باولا في الظلام ـ كما في الفيلم ـ تجرّان جثة الزوج المقتول باتجاه مطعم مهجور.. تفتح رايموندا الباب بالمفتاح الذي أودعه لديها صاحبه إميليو (كارلوس بلانكو) قبل أن يعرض المطعم للبيع ويرحل إلى برشلونة.. يختلط صوت احتكاك الجثة بالأسفلت مع مرثية الكلارينت الناعمة، يشمل ضوء وافد من نافذة قريبة وجه باولا الطفولي، فتتلألأ حبات عرقها المتصبب وهي تدفع جثة القتيل، الذي ظنته والدها إلى أن صارحها بالعكس، ثم انقض عليها محاولاً اغتصابها، فاستلت سكيناً وطعنته.. هذه الفتاة الوديعة إذن هي القاتلة، والأم الجرئية تتستر، أما أنت فستتمتم لهما عفوياً بالدعاء ألا ينكشف الأمر!! لقد نجح ألمودوفار في تبرير الجريمة وحضك على التعاطف معها.. بل وساعد أيقونيته الفاتنة رايموندا على دفن جثة زوجها في ثلاجة المطعم للأبد.. يا لها من عدالة لا تجدها إلا في قانون ألمودوفار!


يستدعي خيالي في تلك اللحظة تينا براندن، التائهة بين أنوثتها الجسدية وذكورتها الحسية.. تأتي من عالمها الصاخب إلى هذا الصمت المريب، حينما تترك الكاميرا ـ في حلمنا العبثي ـ محيط القاتلتين الآسرتين وتصعد باتجاه النافذة القريبة، نبدأ في سماع صوت صبي رقيق، أو صبية تصطنع الرجولة.. الصوت الملتبس يحفل ببهجة عذرية وهو يلتمس من شخص آخر ـ كما في الفيلم أيضاً ـ أن يقص له مزيداً من شعر رأسه، فهكذا سيبدو أكثر رجولة..


لقد كانت تينا براندن تخفي أنوثتها، في الوقت الذي كانت رايموندا تخفي جريمة ابنتها، كل منهما يناضل في أحشاء الظلام من أجل دفن "خطيئته".. فلديهما ما يكفي من الأسباب لتبريرها، وتريدان أن تستأنفا حياتهما على النحو الذي تتمنياه، لا الذي فرض عليهما.. رايموندا طالما عانت من زوجها الطائش باكو، لم تجد فيه ما يعوضها عن أبيها الفاسق، الذي اغتصبها فأنجبت منه باولا، ابنتها وشقيقتها في ذات الوقت! امتهنت الطبخ وتنظيف الأرضيات وغسيل الملابس، وفي مشهد مبكر من الفيلم نرى صورة وجهها البائس منعكسة على فتحة الغسالة وهي تدور كالطاحونة، فنتناول الرسالة الرمزية بسهولة، ونوميء بالشفقة...


قبل يوم واحد فقط، فصل باكو من عمله، لا نتساءل لماذا، فألمودوفار يخبرنا بذلك ونحن نشاهد باكو يحتسي البيرة بإسراف ويتابع باستهتار مباراة لكرة القدم.. وفي الخلفية ها هي رايموندا ـ بعد عودتها مباشرة من عملها اليومي الشاق ـ تنظف المطبخ وتعد العشاء على عجل.. يضيف ألمودوفار إلى جرعة احتقارنا لباكو، فيجعله يصوب نظرة شهوانية إلى فخذ باولا المراهقة، قبل أن تنبهها أمهها بحزم إلى ضم ساقيها..


أما تينا براندن، فقد التبست عليها هويتها الجنسية، جسدها الأنثوي النحيف يعبيء بداخله روحاً ذكورية، تضاريسه النسائية تضهد رغبتها في بنات جنسها، لكنه لا يقاوم ملامح وجهها الحادة، ونظرتها الزاهدة، ونبرة صوتها الخشنة.. لكي تخرج إلى الشارع صار عليها أن تواري نهديها داخل جبيرة تكتم أنفاسها، لكن ما أبهج قسماتها حين تنظر في المرآة، وتتأكد من أنها صارت رجلاً.. وأنها تحررت ـ ولو مؤقتاً ـ من تائها المربوطة، إلى أن تخضع في المستقبل للجراحة المنشودة..


خطيئتان، خبئتا في ذات القمقم: خطيئة الزوج الأرعن، وخطيئة الهوية الملتبسة.. كل منهما في تلك الأمسية الرمزية تحول إلى تراث.. استطاعت رايموندا بجسارة أن تقنع الجميع بأن باكو الخائن هجرها ولن يعود، كما استطاعت براندن أن تثبت رجولتها في الحانات، بل وتواعد فتيات وتوقعهن في غرامها!! يا لهذه السينما الغارقة في العبث! هل من المنطقي أن يقتل إنسان، وتجرجر جثته في الشارع، وتخزن في ثلاجة مطعم، دون أن يلاحظ أحد إلى نهاية الفيلم؟ وهل من الممكن أن تقص فتاة شعرها، وتخفي ثدييها، وتداعب قريناتها بشظف، فتصير رجلاً؟ مغالاة قد يقبلها أو ينبذها المشاهد، لكن الأهم أن رايموندا وبراندن يشرعان الآن بالفعل في فصل جديد.. رايموندا تعود مع الابنة باولا إلى منزلهما وقد خلا من باكو للأبد، وبراندن تتوجه إلى أقرب ملهي ليلي للتمتع بالنظر إليها كرجل.. هنا يرتفع صوت وردة، وهي تغرد: (والله والله والله، والله وضحك لي زماني، ولقيت ف الفرح مكاني.. اللي اتمنيته، لقيته لقيته...)! لا تعرف رايموندا ولا براندن من هي وردة.. (جاهلتان!)... لكنهما ـ في المشهد الافتراضي ـ يتمايلان مع اللحن البديع، والصوت الشجي.. ماذا لو فهما الكلمات؟ سيراودهما الشك في أن محمد حمزة يعرف سرهما، بل ويعينهما مع ألمودوفار على اقتراف آثامهما..


الحقيقة هي أن أياً من هؤلاء لا يعرف الآخر، لكن ها هو الحلم ـ الذي تحرضه السينما وتغذيه ـ يجمعهم داخل عباءة واحدة!


المشهد الافتراضي التالي تقع أحداثه في المطعم، الذي أدارته رايموندا لحسابها في غياب صاحبه.. تستقبل فيه فريقاً سينمائياً عابراً، على رأسه مدير إنتاج غض.. يتودد للمرأة الصارمة مأخوذاً بطلاوة لسانها وسحرها الجسدي، لكن ألمودوفار يمنع أي علاقة حميمية بين رجل وامرأة في هذا الفيلم! تصدّ رايموندا الشاب بحذر كي لا تفقد زبونها، ويستسلم هو مندهشاً.. يعود إلى طاولته، التي تجاور ـ وفقاً لسيناريو الحلم ـ طاولة براندن.. المنهمك ـ مع زمرته المنحلة ـ في تفحص الفتيات الثملات.. وفيما كانت رايموندا تشعر بالفخر بعد أن درأت عن نفسها شراً محتملاً، كانت عينا براندن تتسمر بذهول على وجه لانا (كلوي سيفيني)... كانت تكفي هذه اللقطة ـ التي لم تستغرق سوى لحظات ـ كي تؤهل هيلاري سوانك إلى أوسكار أفضل ممثلة، التي نالتها عام ألفين عن هذا الفيلم.. ولدت عاطفة مطلقة في طرفة عين، ولكي يسمح لها ألمادوفار بالنمو، جعل لانا تنضم للفرقة الموسيقية، كي تغني (الأعين الأكثر زرقة في تكساس).. فيطول النظر! ويتبادل الطرفان رسائل لا نسمعها بل نحسها، ينكرها إعراض لانا بين فينة وأخرى متظاهرة بعدم الاكتراث، وتؤكدها ابتسامات مترددة من براندن، تشي بالفرحة لعثورها أخيراً على محبوبتها، والخجل من أقرانها المحيطين..


صوت لانا لا يرقى لجمالها ورقة وجهها.. وفي مشهدي الافتراضي، تنتفض وردة ـ التي نكتشف وجودها في المطعم ـ وتتوجه إلى العازفين، تلومهم على تشجيعهم للفتاة الغِرّة، وتقول بثقة محببة: الجمال ليس مؤهلاً للغناء، وللغناء أهله!! ثم تلتفت ناحية براندن المصدوم، وتغمز له كي يطمئن، وتتناول الميكروفون من الفتاة غير المبالية، وتستكمل الأغنية التي بدأتها قبل قليل.. تختار منها بحنكة ما يلائم الحب الوليد، فتنشد: (متهيألي.. إن أنا وانت ف عالم تاني.. كله شموع وفرح وأغاني.. وان زمانك هو زماني.. لما ناديتني وحبك جاني..!)، ويرفرف كيوبيد حول براندن ولانا من جديد...


في الفيلم، تستمع الجدة إيرين (كارمن ماورا) إلى غناء رايموندا، الذي استعادت فيه أغنية الطفولة (فولفير) أو (العودة).. إيرين لم تمت كما أرادت للجميع أن يصدق، فقد أضرمت النار في الكوخ الذي كان زوجها يضاجع فيه شقيقتها.. مات الاثنان، واختفت هي، وظن الجميع أنها هي التي ماتت في الكوخ، بينما اختفت الشقيقة الهيبيز كعادتها.. وعندما رغبت إيرين في العودة، اعتقدت القرية أنها شبح، وأتاح لها ذلك الاعتناء بشقيقتها الثانية في أيامها الأخيرة.. وفي هذه الليلة تاقت لرؤية ابنتها رايموندا من بعيد.. انكمشت في سيارة ابنتها الأخرى سولي (لولا ديوناس) خارج المطعم، فجاءها صوت وردة، كما أردت، بدلاً من صوت رايموندا، كما أراد ألمودوفار.. تتحول إيرين في تلك اللحظة إلى أمي، التي تعشق وردة، وخاصة في أغنيتها تلك.. دموع أيرين تنساب على وجنتي أمي، التي تستلقي بدلاً منها على المقعد الخلفي للسيارة، وتستحضر مع كل كلمة ذكرى، فيما تقمع نحيبها.. وأتمني في تلك اللحظة أن أعانق الشاشة وأقبلها.. إيرين قتلت زوجها وشقيقتها، لكنها استولت على قلبي.. جعلتني أرى فيها أمي، وهي تستمع كل صباح لإذاعة الأغاني على الراديو المصري.. يا إلهي! إن ألمودوفار جعلني أتوحد مع الأشرار، بل وأسقطهم على واقعي الشخصي!!


لا تدوم سعادة براندن، فبينما تزدهر حياة رايموندا، وتنجح في مواصلة إخفاء سرها، تنفضح أنوثة الصبي المزيف، تذهب براندن بهيئتها الذكورية المعتادة إلى مصلحة حكومية، تعطلها موظفة الشباك لحظات بحجة إنجاز المهمة، إلى أن يأتي شرطي لاستجواب براندن.. لا تحرمنا الكاميرا من تأمل انفعالات الفتاة عن قرب.. فما أن يهتف الشرطي: الآنسة براندن! حتى تحوّلُ وجهها نحو جهاز الكمبيوتر، تلقي بنظرة عتاب خاطفة إلى الموظفة الخبيثة، تطفو الدموع على مقلتيها، ترتعش شفتاها، تلتزم الصمت في محاولة أخيرة يائسة لصرف الشرطي عنها، لكنه يلح في ندائه.. تتنحنح في ارتباك، ثم تتناول منه الوثيقة وهي تكبت دموعها، تكتشف أنها في ورطة.. فتقدِم على الاعتراف!


في هذه الأثناء، تكتشف رايموندا عودة أمها.. كانت الأم قد اختارت أن تعيش سراً مع ابنتها الأخرى سولي، وبينما حلت عليهما رايموندا فجأة، وطلبت أن تقضي حاجتها بسرعة ـ وهي لقطة مروعة نرى فيها بنيلوب كروز تبول، من دون أن يخدش حياءنا ألمودوفار على غير عادته ـ عندئذ تشتم رايموندا رائحة أمها المعهودة.. تستنطق شقيقتها، فتعترف، وترشدها أخيراً إلى الأم المختبئة تحت السرير!


تعود رايموندا إلى أحضان أمها، بينما تنفصل براندن عن أحضان الحبيبة لانا.. تودَع في سجن النساء، فتضطر لمصارحة حبيبتها المخدوعة بالحقيقة، لكن المفاجأة هي أن لانا تقبل بالأمر، بل وتعمل على إطلاق سراح براندن، وتغادران السجن وثباً من السعادة، وتمتعنا كيمبرلي بييرس هنا برمزية شديدة الذكاء، عندما تهرول براندن ولانا في ممر السجن باتجاه الحرية، فيما يسير ببطء في الاتجاه العكسي طابور من السجناء ببزاتهم الحمراء، وما أن تعبر الفتاتان من البوابة، حتى تسلكان الاتجاه الأيسر من الشارع، بينما تستقر الكاميرا على لافتة (غرفة السيدات) المعلقة إلى جانب البوابة، مع سهم يشير لنفس الاتجاه الذي سلكتاه..


مشهد افتراضي آخر، يعود بنا إلى عبث يفوق تمجيد الرذيلة وتبرير الجريمة، اللذين ابتلينا بهما على يد ألمودوفار وكيمبرلي! مشهد ننبهر فيه، عندما نرى براندن تحاكي وردة في مقطع واثق من الأغنية، تقول فيه: (لو لفينا الدنيا وجينا.. وعشنا وشفنا واتمنينا.. مش حنلاقي زي هوانا.. مش حنلاقي.. حب ينور لينا ليالينا.. مش حنلاقي!).. لا تعرف براندن كيف نطقت بهذه الكلمات، إلا أنها ـ كحال أي حبيبين يستمعان إلى وردة ـ غاصت في بحور من الشغف والوجد..


لكن قصاص المجتمع يأتي إليها سريعاً.. ينتقل خبر أنوثتها الجانحة إلى ثلة الأصدقاء الفاسدين.. وعلى رأسهم المختل نفسياً جون (بيتر سارسجارد)، الذي يكشف عورتها عنوة أمام حبيبتها، ويغتصبها هو وصديقه ببشاعة.. بينما تأبي رايموندا أن تظهر في برنامج تليفزيوني حول أسرار البيوت تنتجه ابنة خالتها، رغم احتياجها للمال بعد تعهدها لإميليو بدفع تعويض عن استغلال مطعمه.. تأملت بحكمتها لحظات عندما تلقت الدعوة من شقيقة المنتجة ـ ابنة خالتها الأخرى أوجستينا (بلانكا بورتيللو) ـ فكأنها حزرت كيف ستساق لهتك خصوصيتها ولفت الأنظار إليها، فآثرت البقاء في قوقعتها، وما هي إلا أيام حتى اضطرت المنتجة الانتهازية لاستضافة شقيقتها أوجستينا لمقايضتها على أسرارها مقابل الإنفاق على علاجها من السرطان في هيوستن.. مشهد يستفز الغيورين مثلي على مهنة الإعلام، فكم من مرضى يستغلون لزخرفة وتتبيل المادة الإعلامية، نشاهدهم فنبتسم أو نفتح أفواهنا اندهاشاً، ثم نمصمص الشفاه ونتندر، أما هم فيرغمون أنفسهم على البقاء أمام الكاميرا أملاً في مساعدة مشروطة من أجل حياة أفضل، حتى لو كانت ليوم إضافي واحد.. مأساة!


لكن ضمير أوجستينا استيقظ على الهواء، غادرت الاستوديو وسط صيحات المذيعة ومحاولات استدراجها الرخيصة، فهل بلغت رايموندا من الحكمة ما جعلها تتجنب هذا المصير؟ مسكينة براندن..! صغر سنها وعجزها عن تقليم شهوتها انتهى بها إلى منزل مهجور، انتظاراً للحظة الهروب، بعد أن شهّر بها أصدقاؤها ونالوا من عرضها!


عادت الأم إيرين إلى الحياة، وصحبتها ابنتاها وحفيدتها في نزهة نهارية على ضفة نهر هوكار الناضب، كان ممتلئاً بالماء في الماضي، قالت الأم.. لكنه ـ في رأي رايموندا ـ جف ككل شيء في إسبانيا.. ذلك النضوب هو إحدى الإشارات الأخيرة في الفيلم، التي يؤطر بها ألمودوفار للفاجعة التي تتكيف معها بطلاته.. كما أنها تليق بقصة براندن، التي تنتظر لانا في المنزل المهجور كي تهرب معها إلى (عالم تاني.. كله شموع وفرح وأغاني) كما تصفه وردة!


تترك إيرين وسولي المشهد، لتنفرد به رايموندا وابنتها باولا.. يقع نظر باولا بتلقائية مقنعة على اسم والدها محفوراً على الشجرة العجوز، ومصحوباً بتاريخي ميلاده ووفاته.. لا يكلفها ألمودوفار بأكثر من نظرة إلى والدتها، فتتلقى منها الجواب بنظرة أخرى.. إن رايموندا دفنت باكو تحت هذه الشجرة، استعانت في ذلك بصديقتها العاهرة البدينة ريجينا (ماريا إيزابيل دياز) مقابل تمويل مشروباتها الكحولية لمدة شهر! وفي نهاية مشهد الدفن، تخر ريجينا من التعب، فتأوي إلى السيارة حيث تنام ويعلو شخيرها، فيما تحفر رايموندا علامتها على الشجرة بعاطفة مجهولة.. ولا عجب في هذا التوازي المقصود من قبل ألمودوفار.. فالمجتمع كله كان ـ وسيظل ـ نائماً، فيما تنفذ حسناواته جرائمهن.. أما كيمبرلي بييرس فقضاؤها يختلف.. لقد أرسلت جون وصديقه المؤتمن إلى حيث لاذت براندن.. تبعتهما لانا في مسعى لمنع كارثة.. لكنها تفشل..


لقد دس جون مسدسه في صدر براندن، وأطلق رصاصة، كانت كفيلة بإنهاء حياة الفتاة العاجزة في الحال.. وتبلغ القصة الحقيقية الحزينة نهايتها.. ستترك جثة براندن في الفيلم مهملة في منزل مهجور، لكن مشهدي الافتراضي الأخير سيمنحنا فرصة تشييع جنازتها إلى ضفة النهر الناضب.. وستدفن في نفس التربة التي ابتلعت جثة باكو من قبل.. لكن شتان! ستجفف دموعك بعد انتهاء الفيلم وأنت تسب باكو وتترحم على براندن.. فهل معني ذلك أنك تشيد بالقتل وتثني على المثلية؟ لا! لكنها براعة اثنين من أكثر المخرجين احترافاً في تطويع المشاعر، رغم أنف المشاهد..


ويعود صوت وردة على لقطة تتسع أكثر فأكثر، لتكشف عن قبر الخطيئة البعيد المعزول، وتغني من فضائها الكوني: (عمري يا عمري يا أحلى زمان.. فرح وهنا وياك وأمان.. شمس وغني وقمر وحنان.. وربيع حبي ف كل أوان).....

_________________________________________________________

* نشرت بصحيفة القدس العربي يوم ١٧ مارس ٢٠١٠

الخميس، 11 فبراير 2010

الشقاء.. يعود!

تجسد لي سر شقاء قلبي في فيلم وأغنية..
الفيلم هو "الزائر" أو
The Visitor للمخرج المرهف توم ماكارثي..
والأغنية هي "صبرني ع المكتوب" للمطربة المرهفة ربى الجمال..


ربا.. من يذكرها الآن؟

درس في الحياة


والتر في الفيلم هو أنا.. البروفيسور الستيني، الصامت حتى وهو يتكلم، التائه في عالمه، الباحث عن المعنى من الحياة والعمل والناس.. تشد وجنتاه طرفا فمه كي يتظاهر بالابتسام، يتفادى النظر في الأعين كي لا يداهمه سؤال فيضطر للإجابة.. يتفرج حتى على نفسه، تتردد في أعماقه موسيقى يحاول تمييزها، يسعى لتعلم البيانو فيفشل.. يرسله القدر إلى منزله القديم فيجده مسكوناً بحياته المفقودة: شاب وفتاة يتحولان من لصين إلى صديقين.. طارق ـ أحدهما ـ الشاب المفعم بالأمل، يساعد والتر في التعرف على صوت الموسيقى داخله.. يدربه على قرع الطبل بلحن أفريقي، فيثور بركان الشباب في صدر الرجل العجوز.. يبتسم بصدق للمرة الأولى في الفيلم، يقفز مع الشاب في الحدائق ويشاركه العزف لروادها.. يرقص.. والتر ـ الأستاذ الجامعي المتزمت ـ يرقص.. يخلع رابطة عنقه ويتجاهل زملاء المهنة المتحزلقين.. يتمرد على وظيفته..

وفجأة، يقرر القدر أن يهب والتر انعطافاً جديداً في هذا الفصل الحيوي من حياته الراكدة.. يسقط طارق في يد الشرطة، فتعتقله بتهمة البقاء بشكل غير شرعي في الولايات المتحدة، ويتحول والتر إلى سنده الوحيد.. والتر ذو القلب الخامد والمشاعر الجليدية، صار الآن مدافعاً عن شاب عرفه قبل أيام فقط.. بل وكلف له محامياً على نفقته لحل المشكلة.. لقد عاد والتر إلى الحياة....

ومن هذه الدراما التي تلامس القلب، تبزغ ومضة حب، تتوج عودة والتر المجيدة لإنسانيته.. إنها الأم مني (المبدعة هيام عباس)، التي تحل ضيفة في منزل والتر، فتولع به.. وتتساقط حبات المطر على التربة اليابسة، فتنبت فيها حباً (بضم الحاء).. ولأول مرة يجد والتر من يعانقه.. وأشعر ـ أنا ـ أنني في أحضان مني، وأنني أستلقي إلى جوارها على الفراش، أحتويها بذراعيّ، وأجفف لها دموعها..

يا إلهي... كيف عرفني توم ماكارثي؟ كيف أدرك أنني وحيد في لندن بين كل هؤلاء البشر؟ كيف يكشفني بلا استئذان؟ أم أنه زارني في أحد أحلامي المنسية ووافقت له؟ إن والتر وضعني أمام مرآة الماضي بإخفاقاته، والحاضر بفتوره، والمستقبل ببشائره.. طمأنني أن القدر وتوم ماكارثي يدبران لي خيراً.. أرجحني بين الموت والحياة.. بين الواقع والخيال.. بين الألم والأمل.. بين الوحدة والعشق.. أمدني بصورة ـ ولو تقريبية ـ لمحبوبة تستحق الوفاء..

وطارق ـ الذي طرق على طبلته كما على أوتار قلبي ـ هو أنا كذلك.. المتشبث بالحياة، الراهب في محراب أحلامه، المندفع نحو هدفه كالقطار، المسحور بالجمال الأسمر، والقوام النحيل، المخلص لمحبوبته والغيور عليها.. المتعلق بأمه والمشفق عليها.. القادر على تلوين حياة من حوله بالتفاؤل والبهجة.. لكن من يدري بحال قلبه؟ قد يكون هذا المقبل على الحياة، زاهداً فيها، وغاضباً منها.. لكنه يسحق مشاعره لتقطر أملاً يوزعه على البائسين، فيشفى هو من آلامه..

انتهى الفيلم، ولملمت نفسي المبعثرة، وعشت بقية يومي أفكر فيه.. وصاحبني ظله إلى اليوم التالي.. ليسلمني إلى أغنية أرشدني صديقي أمير العمري إلى مطربتها ربى الجمال..

ربى ـ كحالي أيضاً ـ اختارت طريقها مبكراً.. صقلت صوتها الملائكي، ودربته على أداء أغاني أسمهان وأم كلثوم حتى تفوقت عليهما.. كانت الكلمات تقفز من قلبها إلى شفتيها، تتمايل كشجرة سامقة تداعبها الريح، تشرد بعينين حزينتين إلى أعلى وهي تئن، كما لو كانت تخاطب السماء وتنتظر منها الجواب.. تقف على المسرح وكأنها في لحظة حساب أمام الرب، تغني وكأنها تناجيه، تشد على الأحرف وكأنها تتوسل منه الرحمة.. اجتمعت في قلبها مشاعر الكون، أصابتها آلام الغربة في عالمها.. مات أبوها وهو يتمنى لها أن تصير طبيبة.. نزلت على رغبته بعد مماته كي تتخلص من وجع الندم، درست الطب لفترة، لكن الفن كان يمد لها ذراعه.. عادت إليه فتوجها.. لكن ذلك لم يسعد أعداءها.. تحالفوا مع المرض ضدها.. وفي إحدى حفلاتها المهيبة لم تستجب الفرقة الموسيقية لدندناتها العفوية.. صاحت: لقد أفقدتموني "سلطنتي"!.. كان الغناء بالنسبة لها كالخمر المسكر.. كانت تضاجع الطبقات وتغويها الكلمات.. وفجأة طردتها من الحلم الجميل نغمة شاذة.. فألقت بالميكرفون على الأرض وغادرت المسرح.. لكنها لم تعد إليه.. ماتت بعد أيام...

لماذا يا أمير؟ لماذا نصحتني باستدعائها من "يوتيوب" والاستماع إلى صوتها الحزين؟ لقد نبشت في قلبي فأوجعته.. ذكرتني بحالي في عالم حافل بأشباه كل شيء.. أشباه المفكرين وأشباه الصحفيين وأشباه الفنانين وأشباه الرجال.. وضعني مشهد الحفل الأخير أمام نفسي عندما تمردت على أجندة الإعلام عقب غزو العراق، وكدت أموت كمداً..

والتر وطارق وربى أحاطوا بقلبي ومشاعري في اليومين الماضيين.. كل منهم مثّل دوري في عمله.. أوربما استنسخني القدر من ذكراه.. ليكتب لها مزيداً من الألم.. أو لينصفها في الوقت الضائع...

الثلاثاء، 2 فبراير 2010

الضحية الإعلامية رقم واحد

قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كان الركود يخيم على أنظمة الحكم في الشرق الأوسط، وكانت السجون والمعتقلات تطفح بالناشطين السياسيين وأصحاب الرأي، صحف عديدة منعتها الرقابة، وفعاليات تنادي بالتغيير حظرتها أجهزة الأمن، كان الجو العام محتقناً، وكانت هذه هي الخميرة التي ظهرت آثارها في نيويورك وواشنطن عام ألفين وواحد، وامتدت في الحال لتشمل العالم كله..

في هذه الأثناء، وبالتحديد في أواخر التسعينات، بزغ نجم (الجزيرة) كنافذة مفتوحة للجميع، أطل من خلالها الممنوعون من شتى بقاع الشرق الأوسط، عبروا عن أفكارهم بحرية، متمردين على كل الخطوط الحمراء التي فرضتها عليهم حكوماتهم، ولم يحظ ذلك برضا هذه الحكومات، بعضهم واجهه بالتشكيك في مصادر تمويل (الجزيرة) وأهدافها، واختلاق صلات لها مع إسرائيل والولايات المتحدة، والبعض الآخر ـ ومنهم دولة الإمارات ـ قرر مواجهتها بنفس السلاح..

أرادت الإمارات أن تعزز مكانتها كحاضنة لإعلام حر غير مسيس، إعلام تموله نفس الخزانة النفطية الخليجية، لكن تاريخه وسمعته لا تخضعان للمساءلة.. بدأت أبو ظبي بتحقيق هذا الحلم، فضخت ملايين الدراهم من أجل تطوير قناتها الرسمية، واستقطبت أبرز الكوادر الإعلامية من العراق إلى المغرب، كان المخرج الراحل مصطفى العقاد ـ كما روى لي ـ أحد من دعاهم الشيخ عبد الله بن زايد وزير الإعلام الإماراتي آنذاك للإشراف على المشروع الطموح، وعلم منه العقاد أن الميزانية المرصودة "ليس لها سقف"، لكنه اعتذر لانشغاله..

كنت في ذلك الوقت واحداً من عشرات الإعلاميين الذين استقدموا لصناعة هذا الفصل الإعلامي الجديد، أخذتني قناة (أبو ظبي) من الصحافة والبرامج الثقافية على التليفزيون المصري، وتعهدت بالاستجابة لأفكاري الثورية.. ما زلت أذكر عبارة مدير القناة عندما لاحظ ترددي لحظة توقيع العقد، قائلاً: شاركنا في هذه التجربة "المجنونة"!

لم تجد اقتراحاتي في مجالي الحريات وحقوق الإنسان أي صعوبة في طرحها ومناقشتها، الأفكار التي تليق بقناة مستقلة بل ومعارضة في بعض الأحيان كانت تحظى بالأولوية، أكاد أقطع بأن الخطوط الحمراء غابت تماماً، حتى صرت أتصور أنني بين جدران قناة (الجزيرة)، وراودني شعور بأن هذا الانفتاح والأريحية والسخاء هم فخ لاختبار المواقف، أو استعراض غير جاد، إلى أن اعتمدت القناة بحماس لافت فكرتي الجسورة بتوفير منصة حرة تدافع عن الكتاب والصحفيين والفنانين الذين يتعرضون لصنوف الرقابة المختلفة، من حذف أسطر أو مشاهد من أعمالهم، إلى المنع من الكتابة أو الظهور، وربما التعرض للسجن والإيذاء الجسدي في أحيان كثيرة.. كانت الأجهزة الرقابية نشطة في هذه الفترة، ولم تغب عن المشهد الإعلامي يوماً واحداً أخبار الممنوعين من التعبير عن آرائهم، الذين ينالون حضوراً إخبارياً عابراً على الجزيرة، لكنهم ما زالوا بحاجة لمجال أرحب كي يدينوا وينتقدوا ممارسات الرقابة عليهم، بل ويعيدوا بث ما منع أياً كان مضمونه..

وهكذا ظهر برنامج (مقص الرقيب) على قناة أبو ظبي، ليلة الأحد 30 يناير (كانون الثاني) من العام ألفين، قبل عشر سنوات من الآن بالتحديد..
استفاد البرنامج من الحرب الإعلامية الباردة بين قناتي (الجزيرة) و(أبو ظبي)، كما استفاد من حالة الغليان في الشارع السياسي، والتحدي المحسوب من حكومة الإمارات ـ وبخاصة الشيخ عبد الله بن زايد وزير الإعلام المتحمس في ذلك الوقت ـ لبعض سياسات الولايات المتحدة في المنطقة، وصار البرنامج بعد وقت قصير واجهة للقناة، تستدل به على مقدار الحرية غير المسبوق الذي تمنحه لمادتها الإعلامية.. وبحكم خلفيتي الصحفية ونشاطي في مجال الحريات وحقوق الإنسان كان سهلاً ألا أفوّت خبراً عن ضحية من ضحايا الرقابة في العالم العربي إلا وتحريت تفاصيله وحققت فيها على الفور، ودعوت كل الأطراف ـ بحياد تام ـ للتعبير عن وجهة نظرها من خلال البرنامج، حتى منحه راديو مونت كارلو في مارس (آذار) عام 2000 لقب الأكثر توازناً على الساحة الإعلامية..

لكن هذا التوازن لم يخفض من نبرة البرنامج المتململة على الدوام من أوضاع حرية التعبير في بلادنا.. كان مجرد إظهار الوجوه المعارضة أمام المسؤولين الحكوميين في مناقشات ندية هو تحد صارخ لرؤوس الأنظمة، زادت منه المساندة اللامحدودة من إدارة القناة، التليفزيون الرسمي للإمارات.. لم يفهم الكثيرون هذه المعادلة، لكنهم أشادوا بها.. وبات للبرنامج جمهور واسع، وتحول إلى منظمة لحقوق الإنسان بالكلمة والصورة، واعتبره الممنوعون وكيلاً لهم في الدفاع عن حقهم في التعبير، ونائباً عنهم في جهاد الفكر والرأي ضد التضييق والرقابة..
لاحق البرنامج مقص الرقيب في كل بلد عربي، ذهب إلى مصر عندما انتفضت التيارات الدينية في الجامعات بسبب رواية وليمة لأعشاب البحر، وعلى أثرها جمد حزب العمل وحظرت صحيفته، ثم عاد البرنامج إلى مصر عندما اعتقل صلاح الدين محسن لكتاباته "المسيئة للأديان"، وعندما أقيل رئيس هيئة قصور الثقافة لنشره ثلاث روايات تتضمن "عبارات إباحية"، وعندما اعترضت الكنيسة على مسلسل (أوان الورد)، كما ذهب إلى الجزائر في ذكرى اغتيال الصحفي عمر أورتيلان، وزار قادة جبهة الإنقاذ في مقار إقامتهم الجبرية، وإلى المغرب مرات ومرات لتقصي أوضاع الحريات السياسية والصحفية والدينية..

ذهب البرنامج كذلك إلى السودان للتحقيق فيما يعرف ببيوت الأشباح التي يزعم المعارضون أنها أوكار للتعذيب تديرها أجهزة الأمن، وإلى اليمن ليستجوب الرئيس اليمني شخصياً حول منع الصحفي جمال عامر من الكتابة، وإلى لبنان للكشف عن ظاهرة التنصت على هواتف رجال السياسة، ولاستعراض وسائل التعذيب الإسرائيلية في معتقل الخيام، وإلى الأردن للدفاع عن طارق أيوب مراسل الجزيرة ـ قبل استشهاده ـ عندما اعتقل واثنين من زملائه أثناء تغطية الاحتفال بذكرى "النكبة"، بل وذهب البرنامج إلى الصومال مع اشتعال حربها الإعلامية مع إثيوبيا، ثم منع من الحصول على تأشيرة دخول إلى الكويت للتحقيق في منع الأديبتين عالية شعيب وليلى العثمان من الكتابة، فاستضافهما مع النائب وليد الطبطبائي في أبو ظبي، كما منع من دخول موريتانيا بقرار من الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع، وطار البرنامج إلى باكستان في ذكرى مرور عام على الحكم العسكري، ثم إلى ماليزيا لإبراز قضية أنور ابراهيم نائب رئيس الوزراء المعزول، وغير ذلك الكثير والكثير من البلدان والقضايا، ووسط هذا المشوار الحافل ذهب إلى الأراضي الفلسطينية، وندد بالرقابة الإسرائيلية على الصحفيين الفلسطينيين والمراسلين الأجانب، وكانت النتيجة أن وضعت السلطات الإسرائيلية اسمي ـ كمعد ومقدم البرنامج ـ على لائحتها السوداء، فكانت هذه هي درة تاج البرنامج وجائزته الكبرى..
رحلة طويلة.. تتلاحق أنفاسي عندما أستعيد تفاصيلها، وبموازاتها كانت إدارة القناة في رحلة أخرى أرادت أن تعزلني عنها، رحلة الدفاع عن البرنامج إزاء احتجاجات الوزراء والمسؤولين، بالكاد كان مدير التليفزيون يطلعني على تفاصيل كل أزمة ولكن بعد أن تهدأ.. ثم يسلمني خطابات الاحتجاج كما لو كان يريد التخلص منها.. كان يقول دائماً إن مهمتي أن أعمل، ومهمته أن يدافع عن العمل..

جنة الإعلام كانت، تلك التي لم يكن يحاسب فيها البرنامجَ مديرٌ أو غفير.. كان الميزان دائماً هو الحقيقة، عناوين الحلقات كانت سراً إلى أن تبث، حتى على مدير التليفزيون.. لقد أراد أن يطبق المبادىء التي يدافع عنها البرنامج، فغاب الرقيب تماماً عن مقص الرقيب طيلة الأشهر الثمانية عشر من عمره.. لكن شهر العسل وجد أخيراً ما يعكره...

كنت أقف أمام برج إيفل أسجل مقدمة حلقة عن الحريات في تونس، عندما اتصل بي هيثم مناع رئيس اللجنة العربية لحقوق الإنسان ليبلغني بوقوع "انقلاب" في الولايات المتحدة! هكذا ظن العديد من الناس في اللحظات الأولى التي تلت هجمات نيويورك وواشنطن صباح الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001.. ابتلعت الصدمة واستأنفت التصوير، وسط ضوضاء السياح المهللين في ساحة مارس بعد انتشار الخبر...

عصراً كنت على موعد مع أحد المعارضين التونسيين، وفي الطريق إذا بمدير مركز الأخبار في تليفزيون (أبو ظبي) يتصل بي، ويطلب مني على استحياء إلغاء الموعد دون مناقشة، بدا لي أنني أحلم، فالبرنامج حتى هذه المكالمة المريبة كان يتمتع بالحرية المطلقة، لقد نقضت إدارة القناة وعدها بالحفاظ على استقلالية البرنامج، فماذا الذي دفعها لذلك؟
في المشهد قبل الأخير، كان الإعلان الترويجي للحلقة يتخلل مراراً فقرات التغطية المكثفة لآثار الهجمات المروعة، التغطية تثير أسئلة تاريخية حائرة حول منفذي الهجمات ورد الفعل الأمريكي المحتمل، بينما يطرح إعلان الحلقة سؤالاً واحداً خارج السياق: من ينتهك حقوق الإنسان في تونس؟ لم تكن صيغة السؤال مفاجأة، لكن الصورة التي رافقته كانت بمثابة الكارثة.. لقد كانت لقطة حية ـ وضعها قسم التسويق دون استشارة ـ للرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي كان في ذلك الوقت يحشد الأصوات استعداداً لانتخابات رئاسية..

المشهد الأخير جرت أحداثه في السادس عشر من سبتمبر (أيلول) بمكتب مدير التليفزيون، كان عابساً وهو يمهد لإبلاغي بقرار المؤسسة، قال إن هذه المرحلة فاصلة في تاريخ الإعلام العربي، وإن الجميع سيراجع أوراقه ويعيد ترتيب أولوياته.. وبرنامج (مقص الرقيب) لم يعد ـ كما كان ـ يتصدر أجندة الإعلام في أبو ظبي، لذلك ـ ولأسباب أخرى ـ فقد تقرر وقفه نهائياً...
كانت تونس ـ كما فهمت لاحقاً ـ قد بعثت باحتجاج رسمي إلى الإمارات على "تشويه سمعة الرئيس زين العابدين من خلال الإعلان الترويجي، والعزم على بث معلومات مغلوطة ومفبركة حول حقوق الإنسان في تونس".. وهددت ـ إذا أذيعت الحلقة ـ بقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، ولم تكن الإمارات بحاجة إلى التفريط في أي صوت عربي قد يساندها في مأزقها أمام الولايات المتحدة بعد الاشتباه في أحد مواطنيها ـ وهو مروان الشحي ـ بالضلوع في تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وهذه هي إعادة الحسابات التي قصدها ـ فيما بدا لي ـ مدير التليفزيون..

وأغلق برنامج (مقص الرقيب) بابه في وجوه عشرات الممنوعين والمقموعين، وعلق على الباب لافتة تقول: مغلق لإعادة الحسابات.. لماذا ظهر البرنامج؟ ولماذا اختفى؟ الإجابة على هذين السؤالين تصف بدقة إشكالية الإعلام العربي، وهي وقوعه بين فكيّ السياسة والمنافسة.. فالكلمة الحرة عندنا لها صلاحية، تبدأ في ذروة التنافس بين وسائل الإعلام، وتنتهي إذا تضاربت مصالح أصحاب النفوذ..

السبت، 30 يناير 2010

البرنامج الممنوع

منذ عشر سنوات بالتمام والكمال، ظهر في المشهد الإعلامي العربي أول برنامج تليفزيوني يخصص ساعة كل أسبوع للدفاع عن أصحاب الرأي الذين ترهبهم الأنظمة ويخرسهم مقص الرقيب، برنامج يتحدى الحكومات وأجهزتها الأمنية والرقابية لصالح الكلمة الحرة، إذا ما وقفت أمامها البندقية أو دُفع بها إلى ظلام السجون..



البرنامج ـ الذي نلت شرف إعداده وتقديمه على قناة أبو ظبي ـ صمد لنحو عامين.. تباهي خلالهما بدعم مموليه، الذين حملوا عنه عبء الرد على المنتقدين من وزراء الإعلام ورجالهم، حتى قرع الأسماعَ شهيقُ الغضب الأمريكي، فأغلقت المسارح الإعلامية أبوابها، ولاذ الجميع بالجحور، وعندما ظن البرنامج أن تلك هي لحظته التاريخية في زمن الجبن والنفاق، وظل واقفاً يواصل كشف الممارسات الرقابية في بلد عربي.. إذا بيد الرقيب تطاله، وتمنعه بنفس الذرائع التي بررت وجوده من قبل.. خمسون قضية رأي دافع عنها البرنامج لم تشفع له، بل تحولت إلى خمسين سبباً للقضاء عليه.. وارتاحت الأنظمة، فلم يعد هناك من يقض مضجعها مساء كل أحد بكلمة حرة ورأي جريء.. لم تعد أشباح المضطهدين تسكن كوابيس الوزراء والغفراء بعد كل حلقة، ولم يعد محمد سعيد يعيد على أسماعهم مرات ومرات ما شطبوه من مقالات وما حذفوه من كتب..

قصة وقف هذا البرنامج تؤرخ للصدمة التي خلعت قلب الإعلام العربي مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كنت حينئذ في باريس أستمع إلى شهادات المعارضين التونسيين على انتهاكات حقوق الإنسان في بلادهم.. لم تمض ساعات على هجمات نيويورك حتى تلقيت اتصالاً من مدير مركز الأخبار في تليفزيون أبوظبي يطلب مني إلغاء موعدي مع أحد المعارضين، ويرجوني بنبرة مضطربة أن "أقدر الموقف"..! لم يسبق لأي من مسؤولي القناة قبل هذا اليوم البائس أن يسألني حتى عن عنوان الحلقة المقبلة.. فعلها مرة واحدة الشيخ عبد الله بن زايد عندما كان وزيراً للإعلام، كنت أنتظر سائقي بعد احتفال جوائز الصحافة بدبي عام ألفين، وتوقف أمامي الوزير بسيارته التي كان يقودها بنفسه، سألني مدفوعاً بالفضول عن "معركتي القادمة"، فأجبته بعد لحظة تفكير: ستكون حول فكرة إلغاء وزارات الإعلام في العالم العربي!! انتفض أحد مستشاريه الصحفيين على مقعده بالسيارة، وصاح مندداً بالفكرة.. فقاطعه الوزير مبتسماً، وقال لي بثقة: فكرة جيدة، سأكون أول المؤيدين لها..

كان مفتاح البرنامج بيدي، فما الذي حدث؟ كيف عرف المسؤول بموعدي مع المعارض؟ هل كنت مراقباً؟ وممن؟ هل علمت الاستخبارات التونسية ـ مثلاً ـ بخطتي وأبلغتها لحكومتها، التي اتصلت بدورها بتليفزيون أبو ظبي عبر قنوات رسمية أو غير رسمية؟ أغلقت السماعة وضربت كفاً بكف، وصرت أنظر حولي وأنا أسير في شوارع باريس، قضيت الأمسية مع هيثم مناع رئيس اللجنة العربية لحقوق الإنسان نشاهد بذهول عرضاً متكرراً لانهيار البرجين الأمريكيين.. لكن كلمات مدير الأخبار كانت تعلو في أذني على صوت الانهيار: "أرجو أن تقدر الموقف"..!

ألغت أوروبا رحلاتها إلى الإمارات، وقضيت ليليتين إضافيتين في باريس، وعندما عدت إلى أبوظبي كان وجه القناة قد تغير.. كل النشرات والبرامج صارت تحلل وتنظر للحدث الجلل، الذهول الذي اكتست به ملامح المسؤولين انعكس على شكل الشاشة، أحسست بأن شعار القناة يرتجف.. قلبت بين القنوات العربية الأخرى فلم أجد فرقاً.. فيصل القاسم اختفى من على شاشة الجزيرة.. الإعلام العربي كله انكمش وانطوى على ذاته، وحتى المشاهد ـ فيما هييء لي ـ لم يعد يفهم شيئاً مما يجري!!

في هذا الخضم، سلمت نص الإعلان الترويجي لحلقتي المقبلة إلى قسم التسويق.. تضمن النص سؤالاً بارزاً: من ينتهك حقوق الإنسان في تونس؟ كان السؤال تغريداً خارج السرب، لكن الفتاة التونسية التي قالت لي في الحلقة إنها اغتصبت في زنزانتها من قبل رجال الأمن، كانت تنتظر أن يصل صوتها للعالم من خلال هذه الحلقة، وكانت هذه الفتاة التونسية أهم عندي من جورج بوش شخصياً، وبالتالي فلم أجد ما يبرر تأجيل الحلقة.. فتأجيلها كان يعني مزيداً من الانتهاكات ـ إن صحت ـ في تونس..

وبينما انهكمت في مونتاج الحلقة، كان الإعلان الترويجي يأخذ طريقه إلى الشاشة بعد تهيئة الصور المناسبة.. لم أخرج من غرفة المونتاج لمدة يومين متتاليين لتجهيز الحلقة في موعدها، ومن ثم لم تتسن لي مشاهدة الإعلان قبل بثه.. ولا أتصور أن أحداً من مسؤولي القناة شاهده في حينها، وعندما أذيع الإعلان قامت الدنيا ولم تقعد.. فلم يكن المعادل البصري للسؤال المطروح سوى لقطات للرئيس التونسي، الذي كان مشغولاً في ذلك الوقت بالإعداد لحملة رئاسية.. وصار الأمر كما لو كنا نقول إن هذه هي الإجابة، وإن الرئيس زين العابدين هو من ينتهك حقوق الإنسان في بلاده..

وفي صباح السادس عشر من سبتمبر، أيقظني زميلي التونسي الحبيب الغريبي ـ الذي صار فيما بعد وجهاً محبباً على قناة الجزيرة ـ وسألني عبر الهاتف عما ستتضمنه حلقتي بالضبط، وشعرت من حذره أن أمراً ما يدور، قلت له إن ممارسات الرقابة واحدة في كل الدول العربية، ويمكن لأي أحد أن يتوقع ما سيدور في أي حلقة قبل إذاعتها، الجديد فقط هو الأسماء والوجوه.. لم يرض كلامي فضول الحبيب، فصرح لي بأن السفارة التونسية ـ كما علم بطريقة ما ـ قلقة، ولم يزد على ذلك.. لكنني طمأنته، فقد أهداني الكثير من وزراء الإعلام والسفراء ومستشاري الرؤساء العديد من خطابات الاحتجاج واللوم بل والتهديد أحياناً.. ولم يفت ذلك في عضد البرنامج، ولا إدارة القناة..

عندما ذهبت إلى مقر التليفزيون، كان مزدحماً كعادته منذ وقعت هجمات نيويورك، لم يكن من حديث في الكافيتريا سوى عن مقاصد الخطاب الأمريكي والضالعين المحتملين.. لم أكمل قهوتي حتى اتصل بي مدير عام المؤسسة، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتصل بي فيها منذ التحقت بالتليفزيون في العام 1999.. أخبرني بمنتهى الود أنه شاهد نسخة من الحلقة، وأنها لا تختلف كثيراً عن أي حلقة سابقة.. كان حكيماً بحيث لم يصرح برأيه ولا قراره.. لكن المكالمة أضافت لدهشتي مما يدور في الكواليس..

كنت أنتظر كعادتي أمام شاشة التليفزيون قبل موعد بث الحلقة بدقائق.. كان برنامج "أسواق" يناقش على الهواء الآثار الاقتصادية لأحداث البرجين، انقضت الساعة، وحان الموعد المقدس لمقص الرقيب، الموعد الذي لم يخلفه البرنامج طيلة الأشهر الثمانية عشر الفائتة.. قال لي ذات مرة طبيب فلسطيني ـ زوج مراسلتنا في ذلك الوقت ليلى عودة ـ إن مريضه رفض استكمال خلع ضرسه ليلحق بموعد البرنامج.. وقال لي مهندس في دبي إنه يتجشم عناء الهبوط من الجبل الذي يقيم ويعمل به كل أسبوع ليشاهد "مقص الرقيب".. وقالت لي فتاة من رام الله أنها كانت تتحمم وتغير ملابسها لتشاهد البرنامج في كامل أناقتها!

حان الموعد، لكن البرنامج لم يظهر.. عاد برنامج "أسواق" بعد الفاصل الإعلاني من دون التنويه عن إلغاء حلقة "مقص الرقيب" أو تأجيلها.. اتصلت بمدير التليفزيون، الذي قال معتذراً إن الأولوية الآن لتغطية أحداث نيويورك وآثارها، أما "مقص الرقيب" فسيذاع الأسبوع المقبل.. عدت لمنزلي حائراً، وأمام المصعد رن هاتفي، كان مدير التليفزيون مرة أخرى، يطلب مني أن أعود لمكتبه على الفور..

بنظرات زائغة، أبلغني المدير بالقرار الحاسم الذي اتخذته المؤسسة بعد مداولات واسعة، وهو وقف برنامج "مقص الرقيب" نهائياً.. "لقد صنع البرنامج تاريخاً يشعر ـ هو قبل أي شخص آخر ـ بالفخر لأنه ينتسب لعهده وإدارته"، هكذا أضاف مواسياً.. سألته بعد لحظات صمت: لماذا؟ أهي تونس؟ وما الذي تغير؟ لم أكن عليها بأشد قسوة؟ فأجاب كمن يبحث عن الكلمات: إن الإعلام العربي يعيد حساباته، لن يعلو صوت بعد الآن، الكل يترقب، سياسة إعلامية جديدة على الأبواب.. فيصل القاسم نفسه اختفى من الجزيرة، وإذا عاد فلن يعود بوجهه القديم، هل ستكون أفضل من فيصل القاسم؟ سألني فلم أجب.. وانصرفت!
في الطريق إلى المنزل ساعدتني ظلمة منتصف الليل على استعادة أبرز معارك البرنامج، تذكرت لقائي بالرئيس اليمني على عبد الله صالح الذي ألغى بعده حكماً بمنع الصحفي جمال عامر من الكتابة، وتذكرت اشتباكي أثناء التصوير مع المستوطين اليهود والجنود الإسرائيليين في مدينة الخليل الفلسطينية، ثم صدور قرار من الخارجية الإسرائيلية والشاباك بوضعي على لائحتهما السوداء، وتذكرت حواري الساخن مع وزير الإعلام الإماراتي الذي توقع الجميع أن يفصلني بعده، لكنه لم يفعل.. وتذكرت القائم بأعمال السفير العراقي في لندن عندما حبسني في السفارة للاستيلاء على شرائط التصوير، لعدم بث أسئلتي الحافلة بالاتهامات للنظام العراقي، وتذكرت البلطجية الذين أرسلهم لي رجل أعمال في مصر بعد مساءلته حول ابتزازه للصحفيين، وتذكرت مقابلاتي مع أبو حمزة وأبو قتادة وعمر بكري في لندن، ودفاعي عن طارق أيوب مراسل الجزيرة ـ الذي استشهد فيما بعد ـ بعد اعتقاله أثناء تغطية ذكرى النكبة.. عشرات الصحف والكتب والقصائد والمسرحيات والأفلام كانت تتحصن بهذا البرنامج، مجدي أحمد حسين رئيس تحرير صحيفة "الشعب" المحظورة قال لي عام ألفين إن صحيفته منعت في مصر، لكنها كانت تصدر كل أسبوع على قناة أبوظبي.. أحد النقاد كتب في "الحياة" يقترح أن تضاف حلقة البرنامج عن معتقل الخيام إلى ملف محاكمة شارون.. لم يكن مقص الرقيب برنامجاً، لقد كان جيشاً عنيداً في معركة أبدية، لكنه خرج منها مهزوماً بخيبة أمل..

لم يكن شعور الإمارات في تلك الأيام أفضل حالاً، فقد كان الغرب يظن فيها الظنون بعد أن حامت الشبهات حول المواطن الإماراتي مروان الشحي في قيامه بتفجيرات نيويورك، وكانت الحكومة الإماراتية بحاجة إلى دعم العرب في تلك الورطة، وبخاصة تونس التي تحظى بثقة الولايات المتحدة منذ لعبت دوراً فاصلاً في الاتصالات السرية التي مهدت لتوقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993.. كيف لمجرد برنامج تليفزيوني ـ أياً كانت رسالته ـ أن يفسد خطة الحشد السياسي تلك، التي ستقوم بها كل أجهزة الدولة، بما فيها الإعلام؟

فيما بعد، علمت أن تونس احتجت بالفعل فور بث الإعلان الترويجي لدى جهات عليا في الإمارات، وهددت بقطع العلاقات الديبلوماسية إذا تمت إذاعة الحلقة.. كان طلب عدم بث الحلقة في الواقع متواضعاً، لكن قرار منع البرنامج كان كريماً..

الرهان الذي فاز فيه البرنامج أنه عاش ثمانية عشر شهراً في عرين قناة حكومية، قال ما قال في ظل إعلام رسمي، ولولا فاجعة سبتمبر لربما عاش أكثر.. أذكر أنه في مايو من العام ألفين اتصل بي مدير الأخبار بالجزيرة، ودعاني لزيارة قطر، وهناك استقبلني هو ومحمد جاسم العلي مدير عام الجزيرة، ليقترحا انتقال البرنامج كما هو إلى قناة الجزيرة.. قالا إن المكان الطبيعي لمثل هذه الفكرة هو قناة مستقلة وليست حكومية.. لكن قناة أبو ظبي بذلت كل المساعي للحفاظ على برنامجها وإقناعي بالبقاء..

اليوم ذكرى مولد برنامج، مات غدراً وهو يدافع عن الحرية، وفي ظل غياب الحرية عن عالمنا، وأمام العشرات من برامج التنفيس غير الصادقة وغير المهنية.. لا نملك جميعاً إلا أن نقرأ على روحه الفاتحة!



الاثنين، 28 سبتمبر 2009

عندما ذهبت إلى" إسرائيل"...


ذهبت إلى «إسرائيل»..

قابلت إيهود باراك فى الكنيست، والرقيب العسكرى الإسرائيلى فى «بيت آجرون»، وقائد الشرطة الإسرائيلية فى الخليل.. ظهرت على شاشة التليفزيون وجهاً لوجه أمام هؤلاء، ولم تفصلنى نقابة الصحفيين فى مصر.. بل وضعتنى السفارات الإسرائيلية فى كل أنحاء العالم على قائمتها السوداء.

كان ذلك عام ألفين.. قضيت فى القدس والضفة الغربية وتل أبيب سبعة عشر يوماً، وفور عودتى إلى القاهرة، اتصل بى أحد أعضاء مجلس النقابة، وأبلغنى بأن المجلس سيضطر آسفاً لإحالتى إلى التحقيق فى مخالفتى قرار النقابة بعدم «التطبيع» مع «إسرائيل».. ولم يكن ذلك العضو يعلم وقتها لماذا ذهبت إلى هناك، أو ماذا فعلت بالتحديد.

والحقيقة أننى كنت أقدم فى ذلك الوقت برنامج (مقص الرقيب) على قناة أبوظبى، وقررت أن أعد إحدى حلقاته من الأراضى المحتلة حول رقابة الاحتلال الإسرائيلى على الصحفيين الفلسطينيين والمراسلين الأجانب.. استأذنت صفوت الشريف وزير الإعلام آنذاك، وفهمى فايد السفير المصرى فى أبوظبى، وإبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، التى كنت مجازاً منها للعمل فى التليفزيون.. فوافق الجميع.

كان أحد زملائى- وكان صحفياً مبتدئاً فى مجلة الشباب بالأهرام- قد ذهب للسفارة الإسرائيلية فى القاهرة قبل ذلك بعامين، آملاً فى إحراز سبق صحفى بمقابلة السفير.. وما إن خرج من مقر السفارة، حتى «اصطادته» مباحث أمن الدولة وحققت معه لبضعة أيام.. وهو ما دفعنى لتجنب استصدار التأشيرة الإسرائيلية من مصر أصلاً، فطلبت من مراسلتنا فى العاصمة الأردنية مساعدتى فى استصدارها من السفارة الإسرائيلية هناك على ورقة منفصلة عن جواز سفرى، ومن ثم لا أتعرض لمضايقات فى مطار القاهرة عندما أعود إليه بعد الزيارة.

فى القدس، كانت محطتى الأولى فى بيت الصحافة الحكومى الإسرائيلى، أو ما يسمى «بيت آجرون»، حيث استقبلنى رئيس القسم العربى فواز كمال.. وأجاب ممتعضاً عن أسئلتى حول دوره فى منع الصحفيين العرب والفلسطينيين من ممارسة عملهم بحرية، لكنه أطلعنى بفخر على قائمة الصحفيين المصريين ممن أسماهم بـ(أصدقاء إسرائيل).. وكان من بينهم الدكتور عبدالمنعم سعيد، الذى زعم أنه شهد احتفالات إسرائيل بمرور خمسين عاماً على تأسيسها عام ١٩٩٨.

لم أفاجأ.. فقد كان الدكتور عبدالمنعم ضيفى على برنامج (الدفاتر القديمة) على قناة النيل الثقافية فى ربيع عام ١٩٩٩، ودافع عن مشاركته فيما قيل إنها احتفالات بذكرى تأسيس إسرائيل، موضحاً أنها كانت فى الواقع مؤتمرات علمية، وأن الصور التى التقطت له على منصتها أمام شعار وعلم الدولة، كانت فخاً دفعه إليه الإسرائيليون لإحراجه.. وقد روى لى محمد بسيونى سفير مصر السابق فى تل أبيب حكايات كثيرة تؤكد ذلك الأسلوب لدى الإسرائيليين، بعضها استهدفه شخصياً.

بعد أيام، وقبل انعقاد قمة كامب ديفيد بيوم واحد فقط، ساعدنى عزمى بشارة فى الدخول إلى الكنيست، ومقابلة إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلى فى ذلك الوقت.. الذى استفزه سؤالى المباشر عن انتهاكات حكومته بحق الصحفيين الفلسطينيين فيما تروج إسرائيل للقمة ومشروع كلينتون للسلام.. فأشار إلى أفراد حراسته، ليطردونى من مبنى الكنيست، ويتم تسجيل ذلك بالكاميرا وإذاعته فى الحلقة.

أما فى ساحة الحرم الإبراهيمى بالخليل عصر أحد أيام السبت، فقد حاولت تغطية اشتباكات المستوطنين اليهود مع السكان الفلسطينيين، فأصبت فى رأسى، وحقق معى قائد الشرطة الإسرائيلية، وظهر ذلك أيضاً على شاشة التليفزيون.

توالت هذه المشاهد أمام عينى وأنا أتلقى من عضو مجلس نقابة الصحفيين نبأ عزمه إحالتى للتحقيق.. ولم أفلح فى إقناعه بأن ما كنت أفعله فى إسرائيل يفوق بتأثيره عشرات الخطب على المنابر حول القضية الفلسطينية.

بعد أيام دعانى إبراهيم سعدة لزيارته فى مكتبه، واقترح علىّ كتابة يومياتى فى الأراضى المحتلة، لنشرها فى كتاب يصدر عن أخبار اليوم بعنوان (مقص الرقيب).. لإبراء ذمتى أمام زملائى الصحفيين.

أذيعت الحلقة، وصدر الكتاب، وثارت ثائرة إسرائيل، فصدر عن وزارة الخارجية الإسرائيلية تعميم يقضى بحرمانى من دخول الأراضى المحتلة على الإطلاق مرة أخرى.

لكن عضو مجلس النقابة استبق ظهور الحقيقة، واتصل بى قبل صدور قرار التحقيق رسمياً، ليطلب منى متصنعاً الحياء، التدخل لدى مؤسسة الإمارات للإعلام- التى كنت أعمل بها حينذاك- لصرف مستحقاته عن بعض الخدمات التى قدمها لها من خلال وكالته الصحفية الخاصة، ووعدته بالمساعدة قدر ما أستطيع.. وفى نهاية الحديث الهاتفى سألته: ماذا عن التحقيق معى لزيارة إسرائيل؟ فأجاب بثقة: اعتبر الأمر كأن لم يكن...!!

الأحد، 20 سبتمبر 2009

في القطار...

ــ هو لا يكف عن التودد بالحديث..
- هي شاردة.. تعبث بأظافرها.. نادراً ما تجيب...
- هو يملأ المقعد بثقة..
- هي تنكمش، وتضم مقدمتي قدميها.. ترتدي الأسود بالكامل.. حتى شعرها ورموشها تصطبغ بالأسود..
.. سبقته عدما غادرا القطار..
... (لا ترغب في رفقته؟)...