الأربعاء، 21 أبريل 2010

«أبطال» في معركة الحرية قبل 10 سنوات.. فأين هم الآن؟

من بين آلاف الأوراق المحنطة في خزانتي منذ سنين، أستخرج قائمة بأسماء برزت في يوم ما علي صفحات الصحف والمجلات بوصفها ضحية للرقابة علي الرأي والتعبير.. أسماء كان الدفاع عن معظمها مبرراً لوضعك علي القوائم الأمنية كالحة السواد.. كان كل اسم من هذه الأسماء يحتل من وقتي أسبوعاً كاملاً، أدرس قضيته بعمق، وأحاور أطرافها بقدر ما تؤهلني موضوعيتي، ثم أبث ما تجود به عليّ أقدار الحرية علي شاشة تليفزيون أبوظبي في عصر نهضته..

بعد عشر سنوات، ها هي القائمة تخرج للنور مرة أخري، بعد أن قرر ابراهيم عيسي أن يبتعث علي صفحات (الدستور) رسالة برنامج (مقص الرقيب) الممنوع منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. ووجدت نفسي كمن قطع غربته وعاد إلي أرض الوطن.. وأول ما قصده هو «شلته» القديمة.. «شلة» المدافعين عن حرية الكلمة والفكر في العالم العربي والإسلامي قبل عقد من الزمان.. تمعنت في القائمة واستعدت بعض الذكريات.. الدنيا في ذلك الوقت كانت ـ رغم كل شيء ـ لا تزال بخير.. لم تكن هجمات نيويورك ـ وما تبعها من غزو أفغانستان ثم العراق ـ قد «لحست» أدمغة الشعوب والحكومات.. الصحفيون كانوا يحصدون الفرص بالكاد، أربعة أو خمسة منهم فقط كانت الشاشة الفضية قد دعتهم لإعداد وتقديم برامج لها طابع التحقيق الصحفي... أنظر إلي المشهد اليوم، واحتفظ لنفسك ـ مثلي ـ بالتعليق!

في خضم هذا السيرك المتواصل، لم أجد لمعظم أبطال حلقاتي القديمة أثراً.. لقد ملأوا الدنيا صخباً من قبل بمواقفهم وأعمالهم، فماذا فعلت بهم أهم عشر سنوات في تاريخ أمتنا؟ هذه السنوات العشر هي التي كبحت ثورات وأشعلت فتناً.. غربلت شعارات وأسقطت أقنعة.. وبالضرورة ستكون قد تركت بصمتها علي مسيرة هؤلاء الأبطال.. فأين هم؟ وماذا يفعلون الآن؟

1

عالية شعيب وليلي العثمان أديبتان كويتيتان تبني البرنامج قضيتهما بعد أن حوكمتا بسبب كتاباتهما «الداعية للرذيلة».. ليلي العثمان اعتذرت لي وقتها عن الظهور في البرنامج كي لا تغضب ولدها الذي كان ـ وربما لا يزال ـ منغمساً في إحدي الجماعات الدينية، أما الدكتورة عالية شعيب فقد لبت الدعوة، وظهرت بشعرها المكشوف وثيابها الضيقة تدافع عن قصيدتها التي تغزلت في تفاحة فاعتبرت دعوة للسحاق!!

تراجعت شهرة الأديبتين في غضون أشهر قليلة، فقد ارتدت عالية شعيب الحجاب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، واعتذرت عن أعمالها السابقة، ثم خصصت كتاباتها الجديدة لحض الشباب علي التحلي بالقيم الإسلامية.. أما ليلي العثمان فقد نزلت لفترة علي رغبة ابنها وتوارت في بيروت، لكنها عادت من جديد بنبرة أشد قسوة علي الدين الإسلامي باعتباره «قيدٌ يمنعنا من صنع علبة كبريت» علي حد قولها.. واتهمت كثيراً بمجاراة العداء الغربي لكل ما هو عربي وإسلامي، ولا أحد يفهم حتي الآن سر هذا الانعطاف الحاد في حياة كل من السيدتين المثيرتين للجدل، والذي نراه كذلك مكتسحاً المجتمعات الإسلامية بضراوة منذ بداية الحرب علي ما يسمي الإرهاب، والاعتقاد ـ الذي روج له الإعلام الغربي ـ بأن كل من هو مسلم هو إرهابي.. البعض تحدي هذا المفهوم الملتبس بمزيد من التدين، فازدادت أعداد المنتسبين للجماعات الدينية وتضاعفت أعداد المحجبات والمنتقبات.. والبعض الآخر وجد في معسكر الغرب القويّ سنداً لأفكاره المنددة بالتدين الشكلي، فعلت نبرته واشتد هجومه علي الإسلام الرجعي ـ كما يصفه هذا التيار ـ إلي حد المبالغة..

انعكس هذا التحول علي فئات المثقفين وأصحاب الرأي، عن اقتناع أو بتشجيع من ممولي الفكر... نعم ممولو الفكر! فالغرب يموّل عقول مؤيديه بالمكاسب والامتيازات، أو حتي بالمديح والإطراء، كما أن بعض الأيديولوجيات الدينية تموّل جمهورها علي نفس النحو.. لم تكن عالية شعيب وليلي العثمان وحدهما من غيرت هذه السنوات العشر من أفكارهما عن الدين سواء بالسلب أو الإيجاب.. كثير من أساتذة الجامعات والمفكرين تجاوبوا مع هذا الصخب الديني.. لكنهم في الوقت نفسه فشلوا في دحر موجة الانهيار الأخلاقي التي صاحبت ظاهرة التدين، بل لم يعملوا علي ذلك...

2

المخرج السوري مصطفي العقاد قطع المسافة من الولايات المتحدة إلي الإمارات تلبية لدعوتي، عندما أقنعته بفتح ملف فيلمه الممنوع (الرسالة)، ودار بيننا حوار طويل روي لي فيه كيف عاني من تعقب الجماعات المتشددة لأعماله رغم أنه كان خير من دعا بفنه للإسلام وقيمه النبيلة، قال لي العقاد إن جماعة أطلقت علي نفسها (المسلمون الأحناف) هاجمت ثلاث بنايات رئيسية في واشنطن وقت عرض فيلم (الرسالة) لأول مرة بزعم أن السينما حرام، فكيف إذا تناولت قصة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم؟!! نجح العقاد في إقناع العديد من الدول بعرض فيلمه إلا مصر، وكان حظه عاثراً علي الدوام مع الجماعات الدينية، إلي أن سقط شهيداً ـ بعد خمس سنوات من لقائي الوحيد به ـ في تفجير انتحاري وقع بالعاصمة الأردنية عمّان، بحجة أن هذه المدينة الهادئة باتت «نقطة انطلاق للحرب علي الإسلام بعد غزو العراق».. وهكذا اختفي من قائمتي واحد من أبرز أسمائها، ضحية الجهل والتعصب..

3

طارق أيوب مراسل الجزيرة هو الآخر قتل.. وقد تحديت المنافسة بين قناتيّ الجزيرة وأبوظبي في ذلك الوقت، وخصصت له حلقة أندد فيها باعتقاله مع اثنين من زملائه أثناء تغطية مهرجان بالأردن في ذكري نكبة 1948، وأعترفُ أن سلبية وزير الإعلام الأردني طالِب الرفاعي تجاه هذا الأمر ضاعفت من قسوتي عليه في الحوار، وجعلتني أبالغ في إحراجه، حتي إنه استقال بعد بث الحلقة بأسبوعين، وأبلغني المستشار الخاص لأحد وزراء الإعلام العرب متشفياً أن برنامجي كان السبب في استقالته! ونقل لي من الوزير الخليجي عرضاً مغرياً بتقلد منصب في محطتهم التليفزيونية الجديدة، مكافأة علي الإطاحة بالوزير المنافس!! فرفضت متندراً بتفاهة الخصومة بين الوزيرين!!... المهم أن طارق أيوب كان أول شهداء الصحافة في حرب العراق، بعد أن استهدفه صاروخ أمريكي أثناء استعداده لبث آخر تطورات الغزو علي الهواء!

وقد شهد هذا العقد المحموم أكبر عدد من جرائم قتل الصحفيين في الميدان، ولا غرابة في ذلك مع التنافس بين وسائل الإعلام الذي فرضه انتشار الفضائيات وسرعة وصول الخبر عبر الإنترنت، في وقت صار النبأ الأبرز في أغلب الأحيان تفجيراً هنا أو قصفاً هناك.. ولأن الإعلام الغربي دأب علي تزييف الحقائق فقد دُفِع بصحفيينا ومراسلينا إلي أماكن الأحداث الساخنة.. وهنا صارت تغطية الخبر عند البعض تحيزاً إذا لم تنل رضا أحد أطراف الحدث، وصارت مقابلة زعيم معارض تعاوناً معه أوتورطاً في حزبه أو جماعته..

لقد أصبح الصحفي بطلاً في الأحداث دون أن يقصد.. وبات إخراسه هدفاً ولو بالقتل.. وهو بالضبط ما حدث مع الزميل والصديق الراحل طارق أيوب، الذي مُحي اسمُه من قائمتي بصاروخ أمريكي غاشم.. ثم تلاه مازن دعنا مصور وكالة رويترز الذي اغتيل في العراق عام 2004، وكان هذا الشاب الفلسطيني المخلص هو الذي التقط لي صوراً فوتوغرافية وأنا أشتبك مع قائد الشرطة الإسرائيلية وجنوده في مدينة الخليل المحتلة أثناء محاولتهم منعي من التصوير عام 2000، وهي الصور التي أثبتت من جديد اعتداء الإسرائيليين علي حرية الإعلام، وتسبب نشرها في منعي من دخول الأراضي الفلسطينية مرة أخري.. وقد رفض مازن رفضاً باتاً الظهور في برنامجي عندما علم باستضافتي شخصيات إسرائيلية، وغضبت لذلك وقتها، لكن متابعتي لعمله ومواقفه بعد ذلك أكدت لي كم كان وطنياً لا يزايد ولا يساوم.. وها قد قتل هو الآخر واختفي من قائمتي خلال هذه السنوات العشر الحزينة...

4

المصير نفسه واجهه رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني، الذي شكا في برنامجي من التنصت علي هاتفه وهاتف نبيه بري- رئيس مجلس النواب- وغيرهما من رجال السياسية في لبنان، من قِبَل المخابرات السورية بحسب ظنه، وقد كرستُ ساعة تليفزيونية كاملة في محاولة مني لكشف هذا المخطط، وأشد ما أذهلني هو اكتشافي لبعض الشبكات المنظمة التي تديرها قوي سياسية في لبنان لها انتماءات مختلفة، تقوم باعتراض المكالمات الهاتفية والتجسس عليها ـ خارج إطار القانون ـ لعدد من الشخصيات البارزة، إما بقصد اغتيالها كما في حالة الحريري، أو لتعقب حركتها واستغلال أسرارها ومساومتها ضمن لعبة سياسية رخيصة... بل كشف لي مدير عام إحدي شركات الهاتف الجوال الشهيرة في لبنان عن أن الحكومة لا تسمح باستيراد وتركيب جهاز للاتصالات إلا إذا كان معه جهاز آخر يمَكِن من التنصت عليه!! كشفت هذا الملف القذر ولم يتحرك أحد.. وظلت القضية مطروحة في الإعلام اللبناني عاماً بعد عام دون تدخل السلطات.. ثم وقف الحريري في مجلس النواب وسخر من التنصت علي هاتفه، وقال لنبيه بري -رئيس مجلس النواب- متهكماً: لقد استمعوا لمكالمتنا أنا وأنت ليلة أمس، فماذا ننتظر؟!! لكن سلطات الأمن كانت «ودن من طين وودن من عجين»!!

ولعل استمرار واستمراء الرقابة علي هاتف الزعيم السني هو الذي قاد لاغتياله بعد نحو أربع سنوات، في تفجير أطاح باستقرار البلاد وأودي بحياة العديد من الساسة والصحفيين، سقطوا ضحية التصدع في العلاقات بين سوريا ولبنان، الذي عمّقه الغرب باتهام سوريا الدائم بدعم وتمويل الإرهاب بعد أحداث سبتمبر..

5

معتقل الخيام، الذي شهد تعذيب أربعة صحفيين لبنانيين ـ ضمن آلاف المعتقلين ـ علي يد جنود الاحتلال الإسرائيلي وعملائهم، كان بعد تحريره مسرحاً لحلقة كاملة من البرنامج.. قضيت فيه ليلة قارصة البرودة في ديسمبر من عام ألفين، أتجول في طرقاته الموحشة وزنازينه المقبضة.. شرح لي أحد أسراه المحررين كيف كان ثلاثة آلاف معتقل ـ منهم أربعمائة سيدة وفتاة ـ يُحشرون في زنازين إفرازية لا يتعدي طولها وعرضها تسعين سنتيمتراً.. وحكي لي كيف كان يتم تعليق السجناء في باحة السجن وسكب الماء البارد والساخن علي أجسادهم العارية من الصباح للمساء، ثم جلدهم بالسياط حتي تتساقط قطع اللحم من أكتافهم وظهورهم.. وكيف كان يتم صعق الأسري بالكهرباء، وكيف كان العملاء والمحققون الإسرائيليون يدوسون بأحذيتهم رؤوسَ المعتقلين المعصوبة جيئة وذهاباً بسعادة وشماتة.... هذه الحلقة هزتني، وفرحت أن العالم شاهد من خلالها عن قرب مثالاً جديداً علي وحشية إسرائيل.. بل وطالب أحدُ الكتاب في صحيفة الحياة اللندنية وقتها بضم الحلقة إلي ملف محاكمة شارون أمام المحاكم البلجيكية بتهمة انتهاكه معاهدة جنيف..

لكن المعتقل أبيد في حرب لبنان عام 2006، التي شجعتها إدارة بوش اعتقاداً أنها ستوفر لإسرائيل الأمن وتقضي علي سلاح المقاومة.. واختفي أثره من تاريخ الإسرائيليين الأسوَد في لبنان، خلال السنوات العشر التي بلغت فيها الغطرسة الأمريكية والإسرائيلية ذروتها..

كما أن حزب الله كان موضع إشادة في البرنامج عام ألفين لتفوقه في الحرب الإعلامية ضد إسرائيل، لكنه مع نهاية تلك السنوات العشر ها هو يئن بسبب الهجوم عليه من قبل بعض الحكومات العربية وأبواقها.. فمن كان يصدق عام ألفين ـ بعد أشهر من تحرير الجنوب اللبناني ـ أن يؤول المقاومون الأشراف إلي هذا المصير في نهاية العقد الفاصل؟ من كان يتوقع أن السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله يمكن أن يتهم بجرجرة بلاده إلي حرب غير متكافئة تأتي بالكامل علي بنيتها التحتية، ثم يتورط في عملية تهريب أسلحة أو عتاد للفلسطينيين في غزة عبر مصر، فتنتهز الحكومة المصرية الفرصة للقضاء علي سمعته والطعن في سيرته.. لكن هذا هو حال كل شيء في هذه السنوات العشر التي أباحت شرف الأمة في العراق، وأفسحت الأراضي العربية للقواعد العسكرية الأجنبية، وانحنت فيها قامات الرؤساء والملوك علي أعتاب البيت الأبيض.. فلم لا تلوث سير الشرفاء؟ ولم لا يستباح مقام المناضلين؟

6

أبوحمزة المصري وأبوقتادة، اللذان ضيقت عليهما قوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا عام ألفين، وتظاهرا في مقابلتي معهما بالضعف والمسكنة، لم تمض سنوات قليلة حتي أودعا المعتقل، في حين طُرِد من بريطانيا زميلهما الثالث عمر بكري زعيم جماعة (المهاجرون) المتشددة.. لقد بدأ هذا العقد بمشهد ترتع فيه هذه القيادات الدينية المتشددة علي المسرح البريطاني.. لندن كانت وقتها ملاذاً آمناً للجماعات الجهادية ورموزها المطلوبة في بلدانها، لكن هذا العقد انتهي بمشهد مناقض، اختفت فيه أغلب هذه القيادات بعد أن وضعت في السجون.. ولم تعد بريطانيا تفكر في استئناس المعارضين العرب علي أراضيها.. أبوقتادة قال لي متصنعاً البراءة: نحن هنا عابرو سبيل، لماذا يقلقون من وجودنا؟ وعمر بكري قال لي بعزم: لن أغادر هذه الأرض إلا وهي إسلامية!! وكان قد بعث للملكة إليزابيث خطاباً يدعوها فيه للإسلام، فشكرته وقالت له: أنا مبسوطة كده!! وأبوحمزة قال لي عشية تفجير المدمرة كول في اليمن: فلتحترق الولايات المتحدة بأكملها!! فأين الزعماء الثلاثة الآن؟ بعد أن كانوا يمرحون بتحد ويوزعون فتاواهم ونصائحهم القتالية قبل عشر سنوات.. ها هم اختفوا من قائمتي، وحلّوا في سجون إنفرادية خلف الشمس.. فقط أتندر!!

7

وعلي أثر الأزمة الشهيرة التي خلفها نشر رواية (وليمة لأعشاب البحر) في مصر، ولكي توحي الحكومة بأنها ترعي الأخلاق وتدافع عن الدين، تبرعت سلطات الأمن باعتقال الكاتب صلاح الدين محسن بتهمة ازدراء القرآن وسب النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه (ارتعاشات تنويرية)، وقد منعتني وزارة الداخلية وقتها من مقابلته في سجنه، لكنه مع ذلك نال حظه من الدفاع عن حقه في التعبير عن أفكاره أمام من هاجموها وكفروه بسببها.. وقد خرج الرجل من سجنه في النهاية ولكن إلي المهجر، حيث «طفش» من مصر أم الدنيا، ورحل إلي كندا، التي اتسع صدرها لجنوح آرائه، بعد أن زاد بسبب ما ناله من إيذاء جسدي في فترة الاعتقال...


8

لكن ـ وفي مقابل هذه النهايات غير السعيدة ـ فإن بطل الحلقة الأولي وحده ما زال يتربع علي المسرح.. فقد كانت جريدة الدستور هي أولي الضحايا الذين تصدي البرنامج للدفاع عنهم، وذلك عندما منعت من الصدور عام ثمانية وتسعين.. إبراهيم عيسي كان وقتها ـ وربما لا يزال ـ يرتاد مقهي فيينا الشهير بوسط القاهرة، بعد أن أغلقت السلطات في وجهه كل أبواب الرزق، حاورته هناك وهو يلعب الطاولة ويدخن الشيشة مع زميليه جمال فهمي وإيهاب الزلاقي.. وهذه الأيام تحتفل الدستور بدخول عامها السادس، بعد أن عادت للصدور، وصارت أغلب الصحف تحاكي أسلوبها الصحفي المميز..

* * *

تأملت في أسماء أخري ضمتها القائمة لمفكرين وأصحاب رأي تكشفت بمضي الأعوام أغراضهم الحقيقية، وبرهنت مواقفهم الجديدة علي استعدادهم للتكيف مع السلطة إذا ما لوحت لهم بخنصرها وقدمت لهم أدني الإغراءات.. بعد عشر سنوات وربما أكثر، تتبدي حكمة التعاطي الإعلامي مع كثير من القضايا.. فمَن مِن الثوار كان يستحق المساندة، ومن منهم لم يستحق؟ كم من المناضلين سيواصل المعركة، وكم منهم سينحني مع الوقت أمام العاصفة؟ من سيترفع عن المزايدة بحقوقه، ومن سيبيعها لمن يدفع أكثر؟ من الصعب علينا ـ كإعلاميين ـ أن نجيب عن مثل هذه الأسئلة إلا بعد مرور فترة من الوقت.. فإذا كان منوطاً بك أن توفر للجمهور مادة للمشاهدة مرة كل أسبوع، سيكون التأمل في مستقبل رسالتك الإعلامية ضرباً من الترف!

______________________________________

* نشرت بصحيفة (الدستور) المصرية يوم ٢١ أبريل ٢٠١٠

الجمعة، 16 أبريل 2010

مصطفى أمين..

ليس من قبيل المصادفة أن أعود إلى مصر في زيارة طويلة نسبياً فيتسنى لي الاطلاع عن قرب على ملامح المشهد الإعلامي الجديد، وأن يتواكب ذلك مع ذكرى رحيل أستاذي مصطفى أمين، الذي تركت وفاته عام 1997 فراغاً في حياتي الشخصية ومسيرتي المهنية على السواء.. لم يعبث القدر حين دبر لي هذا التزامن بحيث تزداد دهشتي من رسائله التي أتلقاها بين الحين والحين.. لا أفهم حكمتها في الحال بالضرورة، لكنني أستسلم لها طائعاً، بل وكثيراً ما أتلذذ بها..


عرفت الأستاذ مصطفى أمين عندما كنت طفلاً لم يتجاوز منتصف عقده الثاني، اقتطفت أمي ذات نهار من صحيفة الأخبار عموده (فكرة) حول فضل الأم واقترحت عليّ قراءته، واستجبت لها في يوم من أيام طاعتي النادرة لوالديّ.. قرأت المقال وأبهرتني سلاسته.. ثم وجدتني أطبق ما نصح به الأبناء في عيد الأم، فقد نزل في قلبي حبه وحب كلماته ونصائحه بروح طفل يبحث عن مثله الأعلى.. بدأ وجود مصطفى أمين في حياتي يزداد بعد أن استعرت من مكتبة البلدية في الإسكندرية كتبه سنة أولى وثانية وثالثة سجن وحتى السنة التاسعة، وقرأتهم جميعاً بنهَم، وأسرتني قصته البطولية ووجدت فيها ضالتي، فقد بلور لي حلماً ظل يداعبني زمناً، وهو إصدار مجلة!


عندما صدرت مجلتي ذات الصفحات العشرين، مطبوعة بآلة كاتبة بدائية، لم تكن إدراة مدرستي الإعدادية قد انتبهت إلى مقالي الذي تصدّر العدد الأول، منتقداً سياساتها وكاشفاً عن مافيا الدروس الخصوصية بين مدرسيها.. انتشرت المجلة في أوساط الطلبة، الذين أرغمهم ناظر المدرسة على تسليم نسخهم مدعياً رغبته في تصويب خطأ مطبعي في آية قرآنية، ثم حرق النسخ جميعاً أمام عينيّ في دورة المياه!


شكوت للأستاذ مصطفى أمين في رسالة باكية ما تعرضت له الصحافة الطلابية على يد الناظر الديكتاتور، وكان جواب الأستاذ الرقيق أن دعاني لمقابلته بمكتبه يوم الثامن من يناير عام 1987.. وأمامه أعدت الحكاية بنبرة واعدة، فأنصت هو إليها بأبوة بالغة، ثم قال لي: إن انتصارك على الرقيب لا يكون إلا بإصرارك على خروج العدد الثاني من المجلة للنور، فإذا صادره كذلك فلتصدر العدد الثالث، ثم الرابع والخامس، وهكذا... قلت له بحزن: إن أبي منع عني المصروف، من أين لي أن أموّل عملية الطباعة المكلفة بعد الآن؟ فابتسم وقال: كم تكلفت طباعة العدد الأول؟ فأجبت متندراً: ثمانية جنيهات ونصف!! دسّ يده في محفظته وأخرج منها عشرة جنيهات، وقال: خذ هذه.. و"ليست لك حجة بعد الآن"! تمنعت قليلاً بحجة أن مجلتي لا تقبل التبرعات!! فقال بثقة: إنها دَيْن.. عليك أن ترده من أول جائزة لك في الصحافة..


بعد أقل من عشر سنوات منحني الكاتب الكبير جائزته الشهيرة مع نخبة من رجال الإعلام والفن والسياسة في مصر، كنت قد تخرجت وعملت بالأهرام فور تخرجي، وكان هذا الحفل هو الأخير في حياة الأستاذ.. وعندما طلب مني أن أنوب عن أوائل كليات الإعلام المكرمين في إلقاء كلمة، رويت هذه القصة، وأضفت: في يدي الآن شيك بألف جنيه قيمة الجائزة التي حلمت بها كثيراً.. فليأذن لي أستاذي بأن أرد له العشرة جنيهات.. الدَيْن القديم، الذي لولاه لما ازداد إصراري على العمل بالصحافة، ولما حظيت اليوم بشرف الوقوف أمامكم! فعلق الأستاذ مصطفى أمين بصوته الرخيم: لن أسترد منك هذا الجنيهات العشر، وإنما سوف أتنازل عنها وأضيفها لجائزتك.. وبذا تصبح صاحب أكبر جائزة في هذا الحفل...


مات أستاذي في العام التالي، وترك لي رصيداً هائلاً من الرسائل والنصائح والقصص والمواقف.. وسرت في جنازته مع الملايين، تائهاً كمن فقد بوصلته التي كان يهتدي بها.. وبرحيله بدأ نبع الأساتذة في النضوب.. رحل الأستاذ سعيد سنبل، الذي أرسلني بعد تخرجي لزميله ابراهيم نافع مع رسالة تقول: أهديك في عيد ميلادك الطالب الأول على دفعته في قسم الإعلام وأمهر زملائه في الكمبيوتر.. سوف تحتاج إليه كثيراً في مستقبل الأهرام! وهكذا عينت في الأهرام على الفور... كما رحل جلال الحمامصي ووجيه أبو ذكري وعبد الفتاح البارودي وغيرهم من الأساتذة الذين كثيراً ما استقبلوني وأنا ما زلت طفلاً يهوى الصحافة، وعلموني ألف باء المهنة..


في ذكرى وفاة الأستاذ مصطفى أمين.. يفضح المشهد الإعلامي ملامح مختلفة على وجه المهنة العجوز، حيث يتكالب الصحفيون على النجومية والمال، ويتلوَن بعضهم وفقاً لاحتياجات الفرصة المتاحة، فرصة النفوذ و"العلاقات" والمناصب.. ولا يأبه أي منهم بالتلاميذ أو الأقل حظاً في المهنة... أتطلع إلى المشهد سعيداً ونادماً.. سعيداً بأنني عاصرت آخر جيل الأساتذة، ونادماً لأن المهنة لم تعد لها قيمة أو ثمن...

الأربعاء، 14 أبريل 2010

سمعة مصر.. بعبع النظام!


ربيع ألفين وسبعة.. لا حديث للإعلام الحكومي إلا عن صحفية مصرية «ناكرة للجميل» تعمل في قناة الجزيرة، شرعت في تلويث سمعة بلادها بتزييف لقطات تليفزيونية تظهر (العيون الساهرة علي أمن الوطن) بأنهم «شوية بلطجية» يتطاولون علي الناس في سراديب الأقسام ليل نهار.. الصحفية «اتقفشت» في المطار وتم التحفظ علي شرائط التصوير لعرضها علي الرقابة، التي ستؤكد المؤامرة الخبيثة، ليواصل الإعلام الحكومي هجومه علي قناة الجزيرة ودولة قطر، وطبعاً علي الصحفية التي سيتمطع أحد نواب الأغلبية، وهو يقف شامخاً تحت القبة، ليطالب بسحب جواز سفرها المصري، لأنها ـ ويا للهول ـ «أساءت لسمعة مصر في الخارج"!!

في هذه الأيام، كنت أخرج فيلماً وثائقياً قصيراً من إنتاجي عنوانه (الربيع) عن سكان المقابر في مصر، ولمن حرمه ماما وبابا من التعرف علي هذه الطبقة المنسية من الشعب المصري، فليسمح لي بأن أوقع في نفسه الاشمئزاز والنفور، وأخدش مشاعره البريئة، وأقول له إن عدد أفراد هذه الطبقة يفوق المليون ونصف المليون بني آدم، وبعض الإحصاءات تقدره بستة ملايين، ينحشرون في الترب مع الأموات والعفاريت، لأنهم لم يجدوا سقفاً يظلهم في عالم الأحياء..... أيوه الحكومة عندها خبر!

من فوق كوبري الخليفة في مصر القديمة بدت لي القاهرة كحلبة سيرك، يتشبث بعض لاعبيها بنوافذ الأتوبيسات المكتظة وهي تتمايل كفيل ثمل، بينما يجري البعض الآخر خلف الميكروباصات التي تشق طريقها في الميدان بعنف وعشوائية.. لم أصدق عدسة الكاميرا التي حملتها ببراءة في صباح أول أيام التصوير، أحاول تسلية نفسي بالتقاط المشهد العبثي ريثما ينهي سائقي قهوته أسفل الكوبري، ونسـتأنف طريقنا باتجاه مقابر السيدة عائشة.. دقائق ووجدتني محاصراً بثلاثة جنود! أحدهم صاح في وجهي بحزم متكلف: الباشا بيقولك تعال معانا من سكاااات... قالها وهو يشير بيده أسفل الكوبري.. نظرت فوجدت «الباشا الظابط» مجعوصاً علي كرسيه، ومستظلاً بشجرة مورفة، بينما يحيط به كام ملازم أول علي كام رائد... هوه يوم باين من أوله!

بطاقة هويتي كانت أول ما طلب مني الضابط، بعدها أمطرني بأسئلة حول هدفي من التصوير والجهة التي أعمل لحسابها!! طبعاً أخفيت هويتي الصحفية، وقدمت نفسي بصفتي الأكاديمية كدارس للماجستير ـ وقتها ـ في جامعة رويال هولواي البريطانية، وأبديت دهشتي من التعامل مع الأمر بهذا الاهتمام، رغم أن زحام القاهرة سيرته علي كل لسان، ولست أول ولن أكون آخر من يقوم بتصويره «للذكري"..!! لم يقتنع «الباشا"، وإنما أصر علي احتجازي وإرسال الصور التي التقطتها للرقابة علي المصنفات الفنية، علي غرار ما طبق علي صحفية الجزيرة.. وختم قراره العنتري بعبارة: لازم نحط حد للي بيسيئوا لسمعة مصر!! سمعة مصر؟ يا نهار إسود..!! طبعاً كان عليّ أن أبذل ما في وسعي لإقناعه بأنني لست من هؤلاء الأشرار! وأنني انبهرت فقط بالمشهد.. وها هي اللقطات التي صورتها، فلتذهب إلي الجحيم... ومحوتها من الكاميرا علي الفور بضغطة زر..

عملياً، يقابل الإعلاميون مثل هذه المواقف بشكل متكرر إذا كانوا يطلون علي الجمهور من نافذة غير مصرية، «سمعة مصر» تقف لهم بالمرصاد وتكشر عن أنيابها كلما نطقوا بكلمة عن الفقر أو التعذيب في أقسام الشرطة أو نزاهة الانتخابات.. لا يفهم من اخترع هذا المصطلح الأعرج أن أي بلد يكتسب سمعته من سلوك نظامه وثقافة شعبه، وليس مما يردده عنه هذا الصحفي أو ذاك داخل البلد أو خارجه.. وأن دبة النملة اليوم يسمع صداها في الحال علي الفيس بوك ويوتيوب وغيرهما من المواقع التليسكوبية علي الإنترنت.. أنا ـ كصحفي أو مذيع أو بقال ـ «ولا حاجة» إذا قورنت قدراتي المتواضعة بإسهامات الشباب والفتيات المنتشرين كالجراد علي الشبكة العنكبوتية، لا يفترض بأحد أن يهبط مستوي تفكيره إلي الظن بأن أمثالي من الإعلاميين خارج مصر هم مصدر المعلومة.. فالمعلومات تتدفق علينا من كل حدب وصوب، وكل ما نفعله هو بث المعلومة بعد التأكد منها.. وفي أغلب الحالات لا تسمح أجندة القناة أو الصحيفة بإبداء الرأي علي لسان المذيع أو الصحفي، فهذه هي مهمة المحلل أو الخبير..!

أذكر أنني في صيف العام 2001 كنت أتناول الغداء في الدوحة مع محمد جاسم العلي مدير عام قناة الجزيرة في ذلك الوقت، وأتينا علي ذكر الخلاف الحاد بين قطر والمملكة السعودية بسبب ما تبثه القناة عما تقول إنه تردٍ في أوضاع حقوق الإنسان بالمملكة، وعلق جاسم العلي بأن ما تفعله الجزيرة هو بث ما يردها من أخبار، فإذا لم يرق بعض هذه الأخبار لبلد ما فإن عليه أن يمنع الفساد أو القصور، لا أن يلومنا علي كشفه.. وجهة نظر!

الطريف أن الإعلام الرسمي يستنكر ذلك علي مذيعي القنوات الفضائية العربية، فيتهمهم بالهجوم علي مصر وكأنهم هم من اخترعوا الخبر، أو كأن طريقة عرضه تعبر عن كراهيتهم لمصر وحقدهم علي الشعب المصري، بينما نجد علي محطاتنا الرسمية من المذيعين من يهاجم ضيفه إذا أبدي وجهة نظر مخالفة لموقفه الشخصي، أو ضد ما يعتقد أنها وجهة نظر الحكومة والنظام.. وقد دهشت عندما ساقني حظي العاثر لمشاهدة جزء من برنامج حواري أقل ما يوصف به أنه عار آخر في تاريخ الإعلام المصري، فقد أصر مقدمه الممثل مصطفي فهمي علي إملاء رأيه الشخصي علي الجمهور، والسخرية ممن خالفوه منهم في قضية ميل بعض الشباب للكشف الطبي عن عذرية قريناتهم قبل الزواج.. وقد بلغ تحيز زميلته المذيعة درجة أنها كانت توزع عبارات المديح والإطراء علي الضيوف الذين يوافقونها الرأي، بينما تتهكم علي الآخرين، وتقمعهم بل وتؤدبهم علي رجعيتهم وتخلفهم!! أي مرجع مهني يستند إليه هؤلاء؟ كم من قنواتنا المصرية لديها قواعد تضبط عمل مذيعيه ومحرريه؟ المؤكد أن أغلب القنوات غير المصرية لديها قواعد لتطبيق أجنداتها.. وأشك في أن بإمكان أي من وجوه هذه القنوات الخروج عن النص مهما بلغت جماهيريته.. فالأجدر بقياداتنا أن تبرز عضلاتها أمام المذيعين الرسميين، الذين يدرّس أداؤهم في كليات الإعلام كنموذج لما لا ينبغي أن يكون عليه المذيع تحت أي ظرف، لا أن «تتشطر» علي المذيعين، الذين لا يفعلون سوي نقل الحقائق...

ومن المثير حقاً أن أكثر من عشرين نائباً في مجلس الشوري ـ كتر خيرهم ـ انتبهوا قبل أيام إلي ما أسموه (فوضي الإعلام).. اجتمعوا وبحثوا وتبادلوا الرأي، وانتهوا إلي ضرورة إصدار قانون جديد.. وماله! ما أسهل سن القوانين وأرخص الترزية الذين يبدعون في تفصيلها.. القانون المقترح ـ كما ورد علي لسان البهوات ـ وظيفته (تجريم من يسيء لسمعة مصر علي الفضائيات).. وتجريم في القاموس البلدي معناها (كخ!!).. يعني هذا القانون سيقرص أذنًا أو يقطعًا لسانًا أو رقبة الوحشين الذين يتجرءون علي كشف الفساد في مصر، وبث أخبار المظاهرات والاعتصامات في مصر، وأوضاع الفقراء المتردية في مصر... سعادتك ـ أيها الصحفي ـ ممكن تتكلم مثلاً عن الاحتجاجات علي الانتخابات الرئاسية في إيران، لكن مصر، حذاري! مسموح لك أن تناقش بالتفصيل أخبار التمرد في اليمن، لكن مصر، إوعي!! إذا قلت إن مصر زي الفل وكله تمام وعشرة علي عشرة، ومفيش أحسن من كده، إذن فأنت وطني وبتحب مصر، وبتغنيلها وبتشرب من نيلها.. أما إذا أردت أن تتجاوز هذا الخط الأحمر ولو بخطوة واحدة، فأنت تشعل الفتن، وتزعزع الاستقرار، وتهدد الأمن القومي، وتنشر غسيلنا القذر علي الملأ.... الاتهامات جاهزة، وها هي القوانين تطبخ علي البوتاجاز!!

قد يقول قائل: هوا الصحفيين إللي بيقبضوا بالعملة الصعبة دول مش شايفين غير السلبيات؟ مفيش إيجابيات في بلدنا؟ وأطمئنه ـ بعد أن أربت علي كتفه بحنية ـ وأقول: بالطبع لدينا إيجابيات... خذ مثلاً هذه العبارة إللي ممكن أن تبدأ بها موضوع تعبير يجنن علي شاشة الفضائية الرسمية: (مصر.. بلد الأزهر الشريف).. إنجاز يفخر به الإعلام الحكومي دائماً في وجه الأعداء.. ويذكره المذيع عادة بعد أن يتلعثم قليلاً علي طريقة (شفيييق يا رااااجل)، ليحسم به جدلاً عقيماً مع من يشكك في ريادة مصر.. لا يهم الحال الذي آلت إليه هذه المؤسسة الدينية العريقة، وتمسحها في جلباب الحكومة، لكن الأزهر مكتوب ومطبوع في البطاقة الشخصية لمصر ولا يمكن إنكاره، وعلينا استثماره في مثل هذه المناسبات.. خذ هذه أيضاً: (مصر انتصرت علي إسرائيل في حرب أكتوبر).. لا يهم التنازلات التي قدمناها، وأسرانا الذين بعنا دماءهم، وآثارنا التي ضيعناها، والغاز الذي نفرط فيه لإسرائيل كل يوم برخص التراب.. المهم أننا (انتصرنا بالضربة الجوية القاضية)، وعلينا أن نكرر هذه العبارة للأبد! ومتنساش (توشكي).. إنجاز آخر يتكئ عليه النظام كلما حوصر بأسئلة عن الأراضي المهملة والمنهوبة، واستيراد القمح، والبطالة.. لقد راهن النظام بأكمله علي هذا المشروع رغم أن البعض ـ وأنا لست منهم ـ لا يزال يتوقع أو يتمني له الفشل.. والإعلام مع ذلك يعاود التباهي بهذا الإنجاز في كل المناسبات.. تماماً كالمريض الذي شكا لطبيبه من قصره في أحد الأفلام الكوميدية القديمة، فنصحه الطبيب أن يردد: أنا طويل وأهبل، أنا مش قصيَّر أزعة... إلي أن تطول قامته!!... شفتو إزاي؟ الإنجازات كثيرة، بلاش بقي افترا...!!

وغير بعيد عن صاحبة الجلالة، يأتي فيلم (الغابة) للمخرج أحمد عاطف ضمن قائمة (الأعمال المسيئة لسمعة مصر).. كنت قد قرأت نسخة السيناريو لهذا الفيلم المهم قبل أكثر من عشر سنوات.. ظل المخرج الدءوب منذ ذلك الحين ينشد تمويلاً من داخل مصر وخارجها يليق بالفكرة التي تنزع النقاب بشجاعة عن حياة أطفال الشوارع في بلادنا، إلي أن فاز السيناريو ـ الذي أضاف إليه ناصر عبدالرحمن لمساته السحرية ـ بجوائز مالية في مسابقات أوروبية غطت ـ مع قرض بنكي ـ تكاليف الإنتاج، وطاف الفيلم العالم ونال العديد من الجوائز.. هنا انتبه المتحزلقون في مصر إلي قضية أطفال الشوارع، لكنهم لم يفعلوا ما تمناه أحمد عاطف من الفيلم، فلم يطالبوا بسن قوانين تحمي هؤلاء الأطفال، أو تخصيص ميزانية لرعايتهم وعلاجهم، وإنما قالوا لأحمد عاطف: إخص عليك! كده تشوه سمعة مصر؟ وكأن علينا أن نتفرج علي مآسينا بلا انفعال.. وكأن علي الموهوبين فينا أن يفصّلوا وطنيتهم علي مقاس الحكومة، وكأن أطفال الشوارع مادة للمساومة، علي من يحرص علي وطنيته في نظر الحكومة أن يغمض جفنه عن مأساتهم الأبدية، وطظ فيهم! وطنيتي أهم من الطفل الذي ينام عارياً في ليالي الشتاء الباردة، وطنيتي أغلي من عصافير بطن صبي جائع لا تكف عن الصوصوة بينما نلتهم نحن الوجبات الفاخرة متبوعة بالعصائر الطازجة، ولو مش طازجة سينال النادل عقابه.. وطنيتي أهم.. ومن بعدها يأتي الطوفان، وكله يخاف علي وطنيته!! ووطنيتنا حماها الله علي رأي محمد ثروت..

في الصباح نفسه الذي أنهيت فيه مشاهدة فيلم (الغابة)، صادفت صحفياً معروفاً باهتماماته السينمائية، وفوجئت بأنه يستنكر علي الفيلم أن يشارك في المهرجانات الدولية، بل قال إنه كان يأمل في منع خروج نسخة الفيلم من مصر أصلاً لأنها تلوث كرامة المصريين وتكشف عوراتهم!!

عندما تأملت فيما قال الزميل، التمست له العذر، فهو علي الأقل من جيل الشباب الذي لا يستطيع ركوب طائرة إلي أسوان، ولم يتربّ علي النقد والمحاسبة اللتين يتغذي عليهما إعلام الدول المتقدمة، الدور والباقي علي الأساتذة الكبار الذين ذابت نعالهم علي أرصفة أوروبا وأمريكا، لكنهم مع ذلك ما زالوا يعتبرون أن مجرد الإدلاء بتصريح لقناة فضائية عربية (يعني مش إسرائيلية) هو مخالفة للمبادئ وقد تعد خيانة.. الكاتب الكبير أنيس منصور قابلني بحفاوة في الإمارات قبل عدة سنوات، وأبدي إعجابه ببرنامج كنت أقدمه هناك في ذلك الوقت، فانتهزت الفرصة ودعوته ليحل ضيفاً علي البرنامج، هنا أسدل جفنيه ورفع حاجبيه في تعفف وقال: أحاديث علي التليفزيون المصري آه.. قنوات عربية لأ..! ولم أفهم لماذا إذن قبل الكاتب الكبير دعوة دبي للمشاركة في إحدي فعالياتها الثقافية إذا كان يعتبر أن إعلام الدول العربية خصم يتربص بمصر؟. في الوقت نفسه فاجأتني به المفكرة الجليلة صافيناز كاظم عندما عرضت استضافتها علي بي بي سي ذات مرة فضغطت علي أضراسها وهي تقول: آسفة.. أنا ما بكلمش قنوات أجنبية! عادت بي في تلك اللحظة إلي عام 1996 عندما منحني وإياها الكاتب الراحل مصطفي أمين جائزته الصحفية، وكان عمره وقتها قد تجاوز الثمانين، لكنها مع ذلك غطت كفها بالحجاب وهي تمد ذراعها لتتسلم منه الجائزة، فطلب منها مازحاً ألا تغالي في تطبيق مبادئها..

الغريب أن أياً ممن يوزعون الاتهامات بتشويه سمعة مصر في الخارج لم نسمع منهم ولو كلمة عتاب واحدة لمن تسبب من الإعلاميين في مهزلة مصر والجزائر.. أحد الإعلاميين علي التليفزيون المصري شكت له سيدة علي الهاتف من أن بعض المشجعين الجزائريين في الخرطوم كانوا يفتحون البنطلونات ويعملون «حاجات غريبة كده».. فيرد الإعلامي ابن الإعلامي متندراً: هم عندهم حاجة يطلعوها..!! آه والله العظيم قال هذا الكلام علي الهواء في تليفزيون جمهورية مصر العربية.. ولم يقل له أحد من هؤلاء: إخص عليك.. لقد شوهت سمعة مصر وإعلام مصر!! بقي لما نبحث عن نافذة نكشف من خلالها القصور والفساد في وطننا نصبح مأجورين وبنشوه سمعة مصر، وعندما نتقيأ بألفاظ وتصرفات علي إعلام بلادنا لا تليق بقدرنا ومكانتنا ـ أمام أنفسنا وأولادنا علي الأقل ـ نصبح شطاراً ونقدم مزيداً من البرامج؟

أطرف ما تفنن فيه أصحاب هذه النظرية المبدعة، وأهدوه للإعلام الرسمي كي يروجه، هو الادعاء بأن هؤلاء (المسيئين لسمعة مصر) إنما يحيكون أو ينفذون بالفعل مؤامرة دنيئة ترمي إلي التأثير في أجور العمالة المصرية في الخارج!! يعني أحمد عاطف يدافع عن الغلابة في شوارع مصر عشان يؤذي الغلابة خارج مصر.. وصحفية الجزيرة تدافع عن انتهاك آدمية المواطنين في أقسام الشرطة بمصر، كي تقطع عيشهم وتؤثر في أرزاقهم في بلدان أخري.. وأول من سيصدق هذه الأكاذيب المحترفة بالطبع هم الغلابة أنفسهم.. وبالتالي سيُعرِضون عن أعمال هؤلاء المسيئين، ويديرون وجوههم إذا أطلوا عليهم من إحدي الشاشات، يطالبون بحق مسلوب أو يفضحون فساداً مستوراً..

علينا أن نعترف بأن إعلامنا موهوب.. يضع بجدارة من يجسر علي قول الحقيقة في قفص الاتهام، ويرغمه علي الدفاع عن نفسه أمام حملات التشهير المنهجية، حتي تخور قواه وينهكه الرد علي الأكاذيب، فيحيط به اليأس ويؤثِر الاستسلام، ثم ينبري هذا الإعلام الخلاق في كسر قواعد المهنة، فيأتي بمرتضي منصور علي الشاشة ليكرر شتائم شوبير له بألفاظها الجارحة، حتي لو كانت بأحرفها الأولي.. وقبلها يلوث الإعلام أسماعنا بأقذع السباب ضد الجمهور والصحافة الجزائرية.. ثم لا يسمح لأحد بانتقاده أو نصحه! بالله عليك يا من تبقت لديه ذرة عقل: أي الفريقين يشوه سمعة مصر؟ وأيهما يتقي ضميره في وطنه وشعبه؟

باختصار ـ أيها المزايدون بسمعة مصر ـ إن ما يهم أمثالي هو أن يعلم الجمهور ما خفي عليه بأمانة وموضوعية.. سواء من خلال نافذة مصرية أو عربية أو حتي أجنبية.. فالمعلومة ليست لها باسبور، والوطنية ليست لها عنوان...
_________________
* نشرت في صحيفة الدستور يوم 14 أبريل 2010