الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

"نظرية" المؤامرة!


أعلن وأنا في كامل قواي العقلية، وبملء إرادتي، انسحابي التام والنهائي من معسكر المتنورين المتفتحين، ثاقبي الفكر ونافذي البصيرة، الذين أفنوا شبابهم وبحّوا أصواتهم، من أجل إقناع المتهورين والمندفعين والبسطاء، بألا ينساقوا وراء "نظرية المؤامرة" التي يروج لها المغرضون والمأجورون، الذين يفسرون كل مصيبة على أنها من تدبير قوى خفية، تحرّك الشخصيات، وتضع الخطط، وتشتري الذمم، وتنفذ السيناريوهات، لخدمة مصالح النظام، وأقطابه وحاشيته، وأسياده وأتباعه، ورجاله ونسائه، وعياله وورثته!

كنت ـ كأقراني في هذا المعسكر ـ أعتدل في جلستي، وأعقد حاجبيّ، وأرخي جفنيّ، وأشرع في إبداء وجهة نظري تجاه أي جريمة أو كارثة، بادئاً بالقول: (أنا لست من أتباع نظرية المؤامرة!)... باعتبار أن نظرية المؤامرة خديعة.. وباعتبارها وهم وكذب وتضليل.. وباعتبارها خيال وسراب وضحك على الذقون! أستنكف على القلة القليلة أن تتهم جهات معلومة وغير معلومة بأنها وراء الجريمة! إذ هل يمكن أن ينفق المسؤول من وقته الثمين ولو ساعة واحدة في التخطيط للإيقاع بخصومه؟ هل يصدق أحد أن مسؤولاً أد الدنيا يجمع حلفاءه ومساعديه ويطلب منهم الفتك بأحد معارضيه، وإخراج مسرحية محبوكة لإقصائه عن طريقه، أو ربما إخفائه تماماً من الوجود؟ لا يمكن! "شيء لا يُصّدِكْه عَكْل"!

لكن ها أنذا.. وبالفُم المليان، أقول أنني كنت بريئاً! بعد أن اكتشفت أن من ينبذ نظرية المؤامرة وينفّر الناس منها، هو ذاته يحيك مؤامرة لإعماء الأبصار والبصائر عن الحقيقة.. وأنه بهذه الدعوة للإعراض عن مروجي نظرية المؤامرة، إنما يشوش على الراغبين في الفهم، ويعطل سعيهم لقراءة الأمور بشكل واقعي، بعيداً عن العواطف والمزايدات.. وبعيداً عن التسطيح والمغالاة! ولأن شعبنا طيب، ويأمل فقط في تأمين وجبة العشاء، فإنه يجد راحة في الدعوة إلى رفض وإنكار نظرية المؤامرة، ويطرد من رأسه أصوات المشككين والحذرين، مستنكراً عليهم تنغيص عيشته بالكلام عن الفساد والمكائد والمؤامرات.. وينهي الجدل ناصحاً: دع الملك للمالك!

ما قول هؤلاء إذن في إقالة ابراهيم عيسى من رئاسة تحرير الدستور؟ بدأ الأمر بشراء الصحيفة، ثم وقف برنامج عيسى على قناة أون تي في، متزامناً مع وقف برنامج عمرو أديب على قناة أوربيت، ثم إقالة مؤسس الدستور من رئاسة تحريرها في منتصف الليل، وإهانة صحفييها قبيل الفجر، والاستيلاء على ماكيناتها مع طلوع الشمس... هكذا كانت طريقة الرأس المدبر في الاحتفال بذكرى الغارة الجوية السريعة والنافذة في حرب أكتوبر المجيدة..

وما قول المتنصلين من نظرية المؤامرة في توقيت الإقالة، قبل أسابيع من انتخابات مجلس الشعب، وقبل أشهر من الانتخابات الرئاسية؟ وما قولهم فيمن يدافع عن حقوق الشعب الدستورية على منبر حزبه، ثم ينتهك حقوق الصحفيين وأصحاب الرأي بماله وسلطانه؟ وكيف يفسرون سطوع نجم رجل الأعمال "المعارض" في سماء السياسة والإعلام خلال أشهر قليلة، لينجح بين عشية وضحاها، وبسرعة مثيرة للدهشة والاستغراب، في الإجهاز على أكثر الأقلام المعارضة إزعاجاً واستفزازاً للنظام.. وهو إنجاز عجزت عنه الأجهزة الإعلامية والأمنية والقضائية خلال أكثر من عشر سنوات...؟

وماذا سيكون قول أعداء نظرية المؤامرة إذا نال حزبه التاريخي حظاً وافراً في انتخابات مجلس الشعب المقبلة؟ هل سنبقى جالسين في استرخاء على مقاعد "المعتدلين"، مدّعين أننا مازلنا نرفض نظرية المؤامرة، ونتهم المروجين لها بالمغالاة والتطرف في تفسير الأمور؟
قد يختلف البعض أو يتفق مع ابراهيم عيسى، قد يدينه البعض بإثارة الزوابع، وقد يدين له البعض الآخر بإلقاء الأحجار في الماء الراكد.. لكن يتفق الجميع على صفتين أصيلتين في تكوينه: موهبته، وصلابته... يحسده المترددون على إقدامه، فهو يكتب قبل أن يفكر، ودون أن يجري عشرات العمليات الحسابية كما يفعل الكثيرون الآن، ولو فعل ابراهيم عيسى ذلك، لربما رجع عن كثير مما كتب، وهدد بسببه أمنه ورزقه وحياته بأسرها..

أتذكر الآن رجل الأعمال الذي قال لي في نهاية التسعينات مبشراً ونذيراً، إنه لا يقاضي الصحفي إذا هدد مصالحه، وإنما يشتري صحيفته بالكامل.. قالها ورئيس الدولة يصدق على تعيينه رئيساً للمستثمرين في أحد أكبر المدن العمرانية الجديدة، بديلاً لزميله رجل الأعمال الذي جرسته الصحافة وضاق به النظام.. الأول جار عليه الزمن، والثاني انتصر على الإعلام بالإعلام.. وورث القاعدة رجل أعمال ثالث.. لكن لا أعتقد أن ابراهيم عيسى سيعود هذه المرة، ليلعب الطاولة على قهوة فيينا..
_____________
* نشرت بموقع الدستور الإلكتروني يوم 11 أكتوبر 2010

الاثنين، 4 أكتوبر 2010

دانيال باكون

بينما أكتب لك هذه الكلمات من لندن، وتقرؤها أنت فى مصر.. ثمة شاب إنجليزى ترك بيته الريفى فى إحدى بلدات مقاطعة إسِكس البريطانية، يخطو الآن فى شوارع مدينة الإسكندرية خطواته الأولى، حاملاً معه حقيبة سفر فيها كل ما وقعت عليه يداه من كتب لتعليم اللغة العربية والتاريخ العربى والفرعونى وخرائط المواقع الأثرية فى مصر.. فبالأمس فقط شدّ هذا الشاب رحاله إلى بلادنا، عازماً على قضاء عشرة أشهر فى قلب ثقافة، حار كثيراً بين تاريخها المدوَّن باعتزاز وفخر فى مراجعه الجامعية، وصيتها الذائع فى الإعلام الغربى كثقافة ظلامية تدعو إلى الإرهاب وتحض على الكراهية.

"دانيال باكون" شاب فى العشرين، تعلم اللغة اللاتينية وأدب العصور الوسطى فى جامعة رويال هولواى.. لا يوجد فيه ما يميزه عن أى شاب مصرى سعى من القرية إلى المدينة طلباً للعلم.. منذ عرفته عام 2007 وهو يسألنى عن كل شىء إلا بلادى.. كتب فى مجلة الجامعة عن كل شىء إلا السياسة.. كان يقرأ قليلاً من الصحف، وكثيراً من الأدب، وكل همه أن يتقرب من إحدى زميلاته.. إنه شاب عادى لم ينخرط فى حزب ولم تجنده الكنيسة.. لكنه قطعاً كان يلاحظ الصراع الفكرى بين زملائه المسلمين وغير المسلمين، ويضعه فى سياق الاحتقان الثقافى السائد فى العالم.. لم يطلب منى إجابة أو تبريراً، ظل يراقب الوضع ببراءة تخفى حكمة وصبراً..

أنهى دانيال دراسته التى أحبها، وبدلاً من اصطحابى فى رحلة بإحدى الغابات كما كان يعدنى، قرر القيام بمغامرة أخرى فى العالم العربى، يبحث فيها عن حقيقة الإرهاب فى ثقافة هذه الأمة، واختار مصر التى يعلم أنها أم الدنيا.. لم يكترث بتحذيرات أقرانه المطلعين على الموقف السياسى المتوتر فى مصر، وأخبار المظاهرات التى تتوج بها وسائل الإعلام الغربى نشراتها وصحفها كل صباح.. لم يستأذن جهة رسمية ولم يلتمس من أحد المشورة.. سألنى فقط عن غرفة ليقيم فيها، ومعهد ليتعلم فيه اللغة العربية..

وعندما استقر وجدان دانيال على خوض هذه المغامرة دشن مدونة على الإنترنت بعنوان (المغامر المصرى)، ليشرع فى سرد ذكرياته عن هذه الرحلة حتى قبل أن تبدأ.. وفيها يقول: "إنها رحلة سوف تأخذنى إلى واحدة من أقدم بلدان العالم وأكثرها إثارة، أرض أسوان والأقصر وتوت عنخ آمون... إننى أتطلع لفهم مصر على حقيقتها.. هذا هو السبب الحقيقى لقيامى بتلك الرحلة"..

أتأمل هذا الفتى الإنجليزى المقدام.. أعرف أنه ادخر من مصروفه واقترض من والديه كى يموّل رحلته.. أمه كانت تصنع كوفيات من الصوف، ليبيعها لزملائه وينفق على نفسه، وكنت أول زبائنه وهكذا تعرفت عليه.. ليس ثرياً ولا من أسرة موسرة، وإنما على باب الله مثلى ومثلك.. أراد أن يصل إلى الحقيقة دون وسيط، مهما كان الثمن..

ساعدتُ دانيال باكون قدر ما أستطيع.. ولكن يا ترى كم من دانيال باكون فى الغرب يأمل فى أن يعرفنا عن قرب ولا يجد من يساعده؟ كم من أبناء الثقافات (الأخرى) ينظرون بعين الشك لادعاءات الإعلام الأمريكى والصهيونى؟ وكم منهم آمن بها لأنه لم يجد ما يخالفها؟

يأتى دانيال إلى مصر سعيداً، فكيف سيعود؟ كيف سيستقبله المصريون، وماذا سيتركون فى ذاكرته عن بلادهم؟ هل سيسيل لعاب سائقى التاكسيات عندما يشتمون منه رائحة العملة الصعبة؟ هل سيستغل الباعة جهله ويبتزونه؟ هل سيتذكر كل منا أن دانيال وأمثاله يأتون إلى مصر لأنهم يحبونها، فلا ينبغى أن يغادروها وهم يسبونها؟

دانيال سيشهد أهم عشرة أشهر فى تاريخ مصر الحديث، حيث التغيير هو مطلب الجميع.. فلعلنا نتغير أمام ضيفنا إلى الأفضل..
____________
* نشر بموقع اليوم السابع يوم 4 أكتوبر 2010
http://youm7.com/News.asp?NewsID=286539

الجمعة، 1 أكتوبر 2010

تصوير الأنبياء


لأنني في مجتمع يخدم كل أفراده بإخلاص في شرطة العقل والفكر، ترددت لحظات قبل أن أقرر التعليق على رفض مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر تصوير الأنبياء والصحابة في أعمال فنية.. إذا أثنيت على الرفض سيقاطعني أصدقائي "المتنورين"، وإذا أدنته فقد يتهمني أصدقائي "المتأسلمين" بالكفر.. سأعمل بنصيحة طازجة أسداها لي بلال فضل: سِد أذنيك واكتب ما تشاء!

بصراحة وخزتني الفتوى.. كنت قد ناقشت فيها رجال دين وفن في أحد برامجي قبل عشر سنوات، وطمأنني على أبو شادي رئيس الرقابة وقتها بأن دوام الحال من المحال! وكاد المخرج الراحل مصطفى العقاد أن يبكي وهو يقول لي بحسرة: فيلم واحد بعشرات الخطب على المنابر! واستمعت لرأي متشدد من شيخ هَرِم، فقلت: لن يُخَلَد! وانتهى البرنامج، وقدمت من بعده برنامجين أو ثلاثة، وسافرت، وعدت، ثم سافرت، وعدت.. ثم سافرت... وقبل أن أعود، ها أنذا أسمع نفس الفتوى من نفس البشر في ذات السياق.. ألا يتغير شيء في هذا البلد؟ زميلي المسيحي المهاجر يبشر بدينه عن طريق فيلم "آلام المسيح"، الذي جسد فيه الممثل الأمريكي جيمس كافيزل شخصية السيد المسيح عليه السلام، وشابان أحدهما إيطالي والآخر أمريكي سعيا لتبشيري بدين يسمى المورمونية، فقدما لي فيلماً مذهلاً مترجماً إلى 22 لغة، بعنوان "البعث" يجسد شخصية نبي المورمونية جوزيف سميث.. وطالب نيجيري انضم حديثاً لإحدى الكنائس البريطانية يباهي بترجمة إنجيله إلى كل لغات العالم، ويسألني: هل ترجم القرآن إلى اللغة الكيسكانية؟

العالم يتفنن في ابتكار طرق جديدة لتقديم وشرح المعلومة، الإنترنت والموبايل والأقمار الصناعية وتقنيات صناعة الأفلام ثلاثية ورباعية الأبعاد.. كل هذه الطفرات شيدت جسوراً لا نهائية للمعرفة.. لن يستطيع أن يصدها مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، أو أن يضع أمامها المتاريس ونقاط التفتيش.. سنرى الأنبياء والصحابة في أفلام ومسلسلات، سنمل من كثرة الأعمال التي تجسد الصحابة، وسنشيد ببعضها وننتقد البعض الآخر.. وستدخل هذه الأعمال بيوتنا شئنا أم أبينا.. ولن يجد مجمع البحوث سوى الصمت والحيرة والاستسلام أمام هذه الموجة الكاسحة.. طوفان لا يمكن لعاقل أن يقطع عليه الطريق..

إذا كنا مؤمنين بحق، فأين الكياسة؟ سيرة الأنبياء في الكتب.. وأمثال عباس محمود العقاد وسعيد حوى وصفي الرحمن المباركفوري، جعلونا ـ بتمكنهم اللغوي وإبداعهم الأدبي ـ نرسم للأنبياء الكرام وصحابتهم صوراً نبيلة، ونسمع لهم أصواتاً في قلوبنا.. إن الإيمان يُطعِم الخيال واليقين معاً.. وبشرى الحديث القدسي بأن في الجنة (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) هي دعوة للتخيل والتخمين.. تفتح الباب أمام آفاق لا يتسع لها النص، ولا يحرمنا متعتها وفائدتها المولى سبحانه وتعالى..

أنا لا أفتي.. حاش لله! أنا فقط أفكر في بلدي التي تكبلها الرهبة من مواجهة الحقيقة.. وأفكر في ربع الشعب المصري الذي لا يعرف كيف يكتب اسمه، فكيف بقراءة القرآن والإنجيل.. وأفكر في قافلة العلم والمعرفة التي انطلقت وتركتنا في قلب الصحراء.. وأفكر في الملايين الذين سيزداد إيمانهم والملايين الذين سيعرفون الله عز وجل بمشاهدة الأنبياء وصحابتهم على الشاشة.. هل يعتقد شيوخنا أن هؤلاء يكفيهم خطيب يتعثر في قراءة القرآن، أو ينصب الفاعل ويجر المفعول؟ هل يرضيهم المتحولون عن الإسلام في بريطانيا وأمريكا وحتى في باكستان؟ وإذا كان ضعف الإيمان في قلب الأمة ضرراً، ألا يصبح تجسيد الأنبياء والصحابة أخف وأهون؟
----------------------
* نشر في زاوية 7 أيام بصحيفة المصري اليوم يوم 14 أكتوبر 2010

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

ابحثوا عن فان جوخ على اليوتيوب


كتبت من قبل عن أهمية وخطورة موقع يوتيوب على الإنترنت، وشجعت المصريين على التفاعل معه والاستفادة منه.. كنت أفكر في الناخب الأمريكي الذي يبحث عن رصيد مرشحي الكونجرس في دائرته على اليوتيوب قبل أن يمنحهم صوته، وكيف أن هذا الموقع التاريخي هو "مضبطة" حرة ينبغي توظيفها في السباق الإلكتروني الراهن.. لم يخطر ببالي أن لبعض المستخدمين المصريين خطة أخرى لاستغلال اليوتيوب، على نحو ينطوي على الحيلة والدهاء، لكنه يعكس خسة واستفزازاً لمشاعر المصريين الشرفاء.. فقد نبهتني بالأمس إحدى الزميلات في جامعة رويال هولواي البريطانية إلى وجود عشرات المقاطع المصورة، التي تم رفعها خلال الأسابيع الماضية على اليوتيوب، يحمل معظمها إشارة نصية واحدة، هي: آثار مصرية للبيع!!




وبما أن علاقتي بالآثار لا تتجاوز حلقة من برنامج تحقيقات تليفزيونية كنت أقدمه قبل ستة أعوام حول تهريب الآثار، فإنني أدعو المختصين والخبراء، وعلى رأسهم الوزير فاروق حسني، وزاهي حواس رئيس المجلس الأعلى للآثار، إلى أن يطبعوا في خانة البحث على اليوتيوب هذه العبارة الصادمة، ليشاهدوا ما شاهدت من لقطات مروعة، إذا تم التحقق من صدقيتها، ستكون عاراً في جبين الحكومة وأجهزة الأمن بأكملها..


يبدأ أحد هذه المقاطع بلقطة لورقة مدون عليها تاريخ التاسع من مايو الماضي، مثبتة على تابوت حافل بالنقوش الفرعونية البارزة والغائرة، ويبدو من الوهلة الأولى أن هذا التابوت يعود لشخصية بارزة في التاريخ الفرعوني.. ثم تنتقل الكاميرا ذات الجودة المنخفضة بحركة عشوائية إلى تماثيل فرعونية بحجم الإنسان، يضطر المصور غير المحترف إلى تحريك أحدها لاستعراض الكتابات الهيروغليفية المنقوشة على ظهره، وقبل أن ينتهي المقطع بعودة للتاريخ المثبت على التابوت، نرى التماثيل جميعها في لقطة واسعة، لنكتشف أن عددها لا يقل عن العشرة، بما فيها التابوت..


يتجاوز عدد من شاهدوا هذا المقطع ألفاً وأربعمائة، أشك في أن بينهم مسؤول مصري واحد غيور على وطنه، وإلا لكنا سمعنا عن تحقيق في الأمر.. أما التعليق المصاحب للمقطع فيقول على لسان صاحبه بالنص: (آثار مصرية للبيع عبر إرسال رسائل لى).. بينما تتضمن الكلمات المفتاحية اسم (سقارة)، وهي من أهم المقابر الفرعونية التي تعرضت للسلب والنهب، وربما يتذكر الدكتور زاهي حواس مقابلتي التليفزيونية معه حول هذه الكارثة عام 2003، والتي انزعج فيها من أدلتي على إهمال بعض موظفيه، وقال لي بالنص، متهكماً: إنت تنفع تكون مذيع في اسكوتلانديارد، أو في الأفلام الخيالية!!

مقطع آخر بعنوان (عبقرية الفراعنة)، نسمع فيه أصواتاً لأشخاص يستعرضون بانبهار لعبة فرعونية بديعة، عبارة عن نموذج لإنسان داخل لوح مقعر، يؤدي تقليبه إلى تغير مساحة الضوء والظل على ملامحه، فنتوهم أنه يحرك رأسه ويتابعنا بنظراته.. عم محمود ـ كما يطلقون عليه في الفيديو ـ يحاول تصوير التمثال الصغير بهاتفه المحمول من كل جوانبه، بينما يعبر الآخرون عن دهشتهم، ويؤكد أحدهم أنه بات ليلته يتأمل في التمثال، أما الحاج أحمد كما يطلقون عليهم، فيبدو أنه المشتري الذي يريد الاطمئنان على بضاعته..
قد يكون هذا المقطع منقولاً عن مصدر آخر على الإنترنت، لكن المؤكد أن هذه النسخة جرت مشاهدتها ما لا يقل عن ثمانمائة مرة، فهل شاهدها المسئول عن تأمين هذا التمثال من بين هذه المرات؟

المثال الثالث لمقطع تظهر فيه عشرة تماثيل فرعونية مذهّبة صغيرة الحجم، إلى جانب تابوت كبير، ملقى بإهمال على أرضية غير معبدة، ويتفاني المصور غير المحترف في إبداء النقوش المختلفة على التابوت، بينما يتضمن مسار الصوت عبارة الفنان أحمد السقا في فيلم الجزيرة: من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة!! وتوفيراً لجهد المشاهد، فإن رافع المقطع وضع رقم هاتفه على رأس المعلومات المصاحبة، لكنني وجدته "غير متاح" عندما حاولت الاتصال به للتثبت من هوية صاحبه..

إلى جانب هذه المقاطع، يستضيف موقع يوتيوب عشرات المقاطع الأخرى المشابهة، والتي لا يمكن أن تكون جميعها مجرد مزحة وخفة دم.. هناك بالتأكيد آثار خرجت من مخادعها، وعبث بها بعض الأشخاص، وإذا كانت لدى أحدهم الحرية في لمس القطعة الأثرية الناردة والعبث بها، فلم لا يفكر في الاستيلاء عليها وبيعها.. ولم لا تكون حيلة لصوص الآثار الجدد هي عرض مسروقاتهم على اليوتيوب، الذي يزوره مليار مستخدم للإنترنت يومياً..

هذه الظاهرة تواجه أجهزتنا الأمنية بعدد من الأسئلة: أين هذه الآثار المصرية المعروضة على الإنترنت؟ ومن هم هؤلاء الذين سمعنا أصواتهم واستفزتنا لهجتهم المصرية؟ وهل جرى البحث عن هذه الآثار على الإنترنت، أم اكتفت أجهزة الأمن بالتفتيش في حقائب المسافرين؟ وياترى هل يمكن أن نجد لوحة فان جوخ المسروقة على اليوتيوب؟
--------------------
* نشر في صحيفة المصري اليوم يوم 17 سبتمبر 2010

الخميس، 2 سبتمبر 2010

إفطار على الوجع.. و"بحة" نور الشريف!


لطالما كفكفت دموعي وأنا أشاهد فيلماً حزيناً، وانقبض صدري وأنا أتسمر أمام مشهدٍ سينمائي مروع، وتسارعت أنفاسي وأنا أتابع لقطة مثيرة ونابضة.. السينما تأسرني، وتهيمن على مشاعري، وتسلب مني الواقع، وتستبدله بعالم آخر مواز، أتوحد معه وأنا أحد صناعه، أتوه فيه وأنا عالم بأسراره.. ظننت منذ تعلقت بالسينما أنها الوحيدة القادرة على احتوائي، وأنني لن أخونها أبداً مع فنٍ آخر، مهما بلغ سحره وجماله.. لكن مسلسلاً تليفزيونياً غرر بي، واحتال على وجداني، واستدرج قلبي كي أضاجع مشاهده المؤثرة وقصته الفاتنة.. أنا الخائن!




(حارة) سامح عبد العزيز

كان الجسر الذي حملني من ملكوت السينما الخالد إلى دنيا التليفزيون العابرة هو سامح عبد العزيز.. اختطفني هذا المخرج الشاب بمهارة وحرفية من فيلمه (الفرح) إلي مسلسله (الحارة)، لأجد نفسي محاطاً بذات العذوبة والجاذبية السينمائية، ولكن بأدوات تليفزيونية بلغ التمكن منها ذروته.. (الفرح) الذي انتهى إلي (مأتم) في الفيلم، واصل في المسلسل كآبته، فالواقع التعيس الذي يعيشه سكان الحارات والأزقة في مصر هو ينبوع سامح عبد العزيز الذي نهل منه في الفيلم (2009) والمسلسل (2010) على السواء: الجدران هنا وهناك تمزعها نفس الشقوق والتصدعات، جروح البشر هي هي، الحزن المكتوم، الحسرة، الوجوه الخالية من المساحيق.. سامح عبد العزيز استعار من السينما ألوانها الخصبة، وزين بها حارته التليفزيونية الحزينة، فبدت الصورة كعروس تسير في جنازة..

ما أن يرتفع أذان المغرب، وأشرع في تناول فطوري، حتى تبدأ (الحارة) على إحدى القنوات المصرية.. أشرد كالعادة في كلمات التتير بصوت المغني طارق الشيخ: آه يا زمان يا مفركشنا.. ماسبتناش ولا يوم عشنا.. عمال يوماتي تقرمشنا.. حتت حتت وتاكل فينا.... أمضغ الطعام ببطء وأنا أسبح في تلك الأبيات الجريحة، أتخيل كل يوم وجهاً جديداً لأحد البائسين الذين أعرفهم، وهو ينطق بها.. ثم سرعان ما أعود إلى اللقطات الحقيقية التي اختلستها كاميرا مدير التصوير جلال الزاكي من الحارات الشعبية في مصر القديمة، والوجوه التي سحقها القهر والفقر، لكنها مع ذلك تبتسم!!


ينتهي التيتر، وأدخل إلى الحارة الضيقة ذات البيوت المتلاصقة.. فأرى بائعة الخبز سوسن بدر، وهي تجمع فضلات القطن من أمام ورشة المنجد كي تحشو بها وسادة ومرتبة تُزوِّج بهما ابنتها، فيما تحاول صرف أحد الكلاب الضالة التي تطمع مثلها في قطعة قطن بالية.. ثم أراها وهي ذاهلة أمام الحريق الذي شب في قطنها يوم التنجيد المنتظر بسبب "لمبة جاز"، يندفع سكان الحارة لإخماد الحريق إلا هي.. سعادتها انطفأت مع اندلاع اللهب، لسانها انعقد، دموعها تحجرت، لكن عينيها تصرخان في صمت، وتستحثان دموعي، فأترك الملعقة من يدي، وأعجز عن ابتلاع الطعام.. إنه إفطارٌ على الوجع!

أسمع نحيب سلوي خطاب، العانس التي تصعد على أكتاف المتظاهرين بحجة الهتاف، كي تُشبِع قليلاً من شهوتها.. إنها تبكي لأن الرضيعة ـ التي عثرت عليها ذات مساء بجوار سلة القمامة وأودعتها الملجأ ـ كبرت، واشتاقت لوالدها المجهول، وها هي تكتب له رسالة تلح على سلوى في تسليمها إليه.. تصفعني عبارات الرسالة، ويبهرني أداء الطفلة، وأصدق دموع سلوى خطاب...

يتردد صوت الشيخ تمام (صلاح عبد الله) وهو يعظ المصلين، ويردد بين فينة وأخرى: وحد الله من قلبك يا سِيدي! وأجد نفسي أستجيب، كما لو كنت أجلس بينهم في المصلى.. لا أتعاطف مع تشدده، لكنني لا أكرهه.. ولا أقتنع بخطابه الضحل، لكنني أرى في مريديه إيماناً حقيقياً به.. يدعوهم إلى الدين وهو الذي أخفق في تنشئة ابنه أحمد فلوكس عليه.. فلوكس يحيي أفراح الحارة، ومنها يحصل على فرصته الأولى كمطرب محترف.. يطرده الأب من منزله، ثم يسقط مغشياً عليه عندما يرى أفيشاً بصورته في الشارع.. أما زوجته عفاف شعيب فلا حول لها ولا قوة.. ترتدي واحدة من عباءتيها القاتمتين، وتتبعه في خضوع وذلة إلى أحد الجيران في الحارة للمواساة أو التهنئة..

هذه هي نيللي كريم بائعة المخدرات المحجبة، التي يدفع بها عشيقها أمين الشرطة باسم السمرة إلى السجن.. وها هو محمود الجندي الذي لا يفارق نرجيلة الحشيش.. ومحمد أحمد ماهر الذي أدمن اصطياد الفتيات عبر الإنترنت.. وسلوى محمد على الجارة المسيحية الودودة.. وفتوح أحمد الذي طبع بصمات والده الميت على مبايعات وهمية ليستولي على إرث شقيقته.... وجوه مصرية، لا يجمع بينها سوى الاحتياج والطموح المتعذر.. ونسيجٍ درامي أجاد حياكته السيناريست أحمد عبد الله، ونفخ فيه الروح مهندس الديكور إسلام يوسف..
عندما تنتهي الحارة، عادة ما أنظر إلى أطباقي فأجدها كما هي، لكنني أكون قد فقدت شهيتي، ليس فقط إشفاقاً على أبطالي التعساء، وإنما ندماً على خيانتي للسينما... لولا أن الحارة تستحق!

(عار) مصطفى شعبان

قبل منتصف الليل، تنادي عليّ أمي: العار حتبدأ..! أترك كتبي وأوراقي، وأخرج من كهفي، بينما أسمع كلمات أيمن بهجت قمر بصوت المطرب آدم في التيتر: قولوا للي أكل الحرام يخاف.. بكره اللي كله يفسده.. يابا الغني بالحرام لو شاف.. ابن الحلال يحسده...




تناسب هذه القصة أيامنا هذه.. كما كانت تناسب بداية الثمانينات ـ وقت ظهورها في الفيلم لأول مرة ـ عندما كان المرتزقة يتكالبون على حصد ثمار الانفتاح.. اليوم يخشى الأغنياء من نضوب ينابيع الثراء، ويشتد الجوع على المحرومين فيأكل بعضهم الحرام.. صارت حكاية (العار) مثل آدم وحواء.. قصة سارية المفعول في كل زمان ومكان، يطوّعها للمسلسل هذا العام السيناريست أحمد محمود أبوزيد عن فيلم والده الذي حمل نفس العنوان عام 1982، لكن بأحداث مختلفة، وأبطالٍ حاول بعضُهم محاكاة الأصل ففشل، وتعاطى البعض الآخر مع جوهر القصة فنجح بأدائه في إحياء حكمتها.. ولو وزعتُ الأبطالَ الجدد على سلم الإقناع، ستحتل عفاف شعيب (الأم) الدرجة الأولى بلا شك، يليها حسن حسني (الأب) في الدرجة الثانية، ثم أحمد رزق (سعد) في الدرجة الثالثة.. بينما أفرط شريف سلامة (أشرف) في التظاهر بالحزن والفتور، فبدا مملاً ومنفراً.. كما أسرف مصطفى شعبان (مختار) في تقليد نور الشريف، فحرم نفسه من شخصية جديدة في مسيرته الفنية كان يمكن أن يثريها وتثريه.. والأمر نفسه ينطبق على الممثلة التونسية درة (سماح)، التي تفتقد أساساً لموهبة التمثيل، فاجتهدت في نسخ شخصية الفنانة نورا، التي جمعت في الفيلم بين جمال ونبل بنت البلد، لكن لا أفلحت درة في المحاكاة، ولا نجحت في أقناعنا ـ على الأقل ـ بأنها مصرية..

أتابع المسلسل لأنني أحببت الفيلم، وأود أن أعقد المقارنة بينهما للنهاية، لكنني أشعر في مشاهد مصطفى شعبان بأنني أتجرع دواءاً مراً.. بحة صوته تستفزني، وتحديقة عينه تثير اشمئزازي.. يحاول المسكين أن يتقمص بهما شخصية نور الشريف في الفيلم، لكن هيهات.. هذا هو مصير كل من أراد أن يختصر الطريق بسرقة إبداعات الآخرين، وهذا هو العار الحقيقي في المسلسل...

اســترجل

بين كل فاصل إعلاني وآخر، فاصل إعلاني.. القنوات المصرية مصابة بحمى الإعلانات منذ فترة، لكنها في رمضان تتحول إلى هستيريا بلا حدود، ويأمل التليفزيون المصري في أن يتجاوز عائد إعلاناته هذا العام 150 مليون جنيه (حوالي 30 مليون دولار).. وهو ما يفسد على المشاهد متعة مواصلة أحداث المسلسل دون انقطاع، فيضطر مثلي لمشاهدة الإعلانات رغماً عن أنفه، حتى لو كان أحدها ينصحه بتناول مشروب من الشعير، ثم يأمره مستنكراً بصوت أجش: استرجل!! أو يزايد بدموع سيدة فقيرة فازت برحلة عمرة من شركة لمساحيق الغسيل، فتقول وقد احمرت وجنتاها من الانفعال: هذا المسحوق حاسس بينا!! أو إعلانٌ يجمع ستة نجوم يرددون جملة موسيقية رقيقة تستمتع بها، إلى أن تسأل نفسك فجأة: يا ترى كم تقاضى كل من هؤلاء في هذا الإعلان؟ فتشعر بخيبة الأمل!! الإعلان الوحيد الذي يستحق المشاهدة والتقدير هذا العام لعب بطولته ماجد الكدواني، ليس فقط لعفويته في الأداء، ولكن لفكرته المبنية على رغبته في الاستفادة بما يحتاج إليه فقط.. فإذا كان لا يقرأ صفحات الرياضة، لم لا يسمح له البائع بشراء نصف الصحيفة فقط؟ وإذا كان نصف البطيخة أقرعاً، فلم لا يكتفي بشراء نصفها الأحمر؟!!



________________
* نشرت بصحيفة القدس العربي يوم 2 سبتمبر 2010

الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

الوثائقيون الجدد


للأفلام الوثائقية في العالم العربي تاريخ وسوق وقناة، فهل لها تأثير على المجتمع؟ قد يجد البعض سؤالي غريباً إذا كانت قناة الجزيرة تنفق بالفعل مئات الألوف من الدولارات كل عام على شراء وتمويل الأفلام الوثائقية وبثها على قناتيها الإخبارية والمتخصصة، وكثير من صناع هذه الأفلام اكتسبوا شهرة النجوم، كما أن أغلب القنوات الفضائية العربية تسير على درب نظيراتها في الغرب، وتولي هذا اللون اهتماماً كبيراً على خرائطها البرامجية.. فما فائدة السؤال؟

بنظرة على نظم الرقابة على التصوير الميداني، وشروط التمويل، ومعايير البث على قنوات التليفزيون، يجد صانع الفيلم الوثائقي نفسه في مأزق، فإما أن يتجنب التصوير في العديد من الأماكن (مثل أقسام الشرطة والمصالح الحكومية)، ويتخلى ولو جزئياً عن رؤيته الخاصة، ويبلغ منزلة الكمال في جودة الصورة والإخراج، أو أن يبقى عمله قيد التعديل والمراجعة من أصحاب القرار، وقد لا يرى النور على الإطلاق. يؤدي ذلك إلى حرمان المجتمع من مناقشة قضايا حيوية، وحرمان المشاهد من استيعاب أنماط فنية جديدة، وحرمان صانع الأفلام من التجرؤ على الأشكال التقليدية المطلوبة في سوق الفيلم الوثائقي العربي.. تؤثر الأفلام الوثائقية في المجتمع على هذا النحو بالقدر الضئيل الذي يؤهلها إليه سقف الحريات المنخفض في كل شئ.

جاء الإعلام الحديث ليوفر الحل.. فمن بين معالمه البساطة، ومن أهم سماته التفاعل، وفي مقدمة آثاره الانتشار: بامتلاك هاتف محمول مزود بكاميرا وموصول بالإنترنت يمكن الآن صناعة فيلم وبثه على العالم في الحال.. فنياً قد لا يضارع المنتج مستوى تلك الأفلام التي نراها على قنوات الجزيرة الوثائقية وديسكفري وناشيونال جيوجرافيك، لكن بالتأكيد سينطوي هذا المنتج ـ موضوعياً ـ على فتوحات اجتماعية عجز الفيلم الوثائقي التقليدي عن إحرازها في الماضي، ومن الأمثلة الجلية على ذلك، إنتاج أفلام وثائقية بهذا النمط العصري حول العنف في أقسام الشرطة، أو العنف الأسري، أو شيوع المخدرات في المدارس والنوادي الرياضية.. المصور سيصل إلى عمق هذه المحافل وسيلتقط ما شاء من صور ـ مع مراعاة المبادئ الأخلاقية ـ دون أن يعاني ما يعانيه المحترفون، بمعداتهم الثقيلة، وحاجتهم للحصول على تراخيص بالتصوير وفقاً لشروط معنية.. المتلقي سيتمتع في الحالة الأولى بمزيد من الصور الواقعية التي تسمح له بالتعرف على عالم جديد لأول مرة عن قرب.. الفرق واضح.

لم يعد المتلقى يكترث بجودة الصورة.. الحد الأدني صار يكفي إذا كان مضمون اللقطة فريداً. وهو ما جعل قنوات التليفزيون تدرس بث هذا النوع من الأفلام، الذي صار إنتاجه سهلاً، فأتاح للهواة فرصة نادرة للالتحاق بركب المحترفين، مما أثري عالم الفيلم الوثائقي بأفكار تنبع شخصياً من المستهلك، الذي يعلم احتياجاته أكثر من المنتج.. إنه (المنتهلك) إن صح الوصف!

شجعت هذه القناعة الكثير من الهواة على تعلم أصول الصنعة، كما دفعت الكثير من المؤسسات الإعلامية إلى تنظيم ورش لتدريب الهواة وأنصاف المحترفين على صناعة أفلام وثائقية، وخير مثال على ذلك الورشة التي نظمها لهذا الغرض مركز الإبراهيمية للإعلام خلال شهر ديسمبر 2009 وشرفت بالتدريس فيها، وأثمرت نحو عشرة هواة تمرسوا على قواعد هذه الصناعة، ودخلوا إلى معترك المهنة من بوابتها الخلفية: بوابة الإعلام الحديث.

كم من الأفلام الجريئة سنشاهد؟ وكم من القضايا المثيرة سنناقش؟ وكم من الموهوبين سنعرف؟ هذه هي الأسئلة التي سيجيب عليها المستقبل، إذا ما منحنا هذه الظاهرة فرصتها للازدهار.

مع طلاب ورشة مركز الإبراهيمية للإعلام

الاثنين، 23 أغسطس 2010

مضغ شعارات المعارضة!


المواظبون مثلي على متابعة أخبار الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية في مصر ساءهم انشغال الناس بشهر رمضان.. فالنهار الذي كان قبل أقل من أسبوعين موعداً ثابتاً للهتاف ضد الحكومة والنظام، صار الآن وقتاً للاسترخاء، تراجع الحديث فيه عن البرادعي ومطالبه السبعة، وبات الجميع مشغولاً بمقاومة العطش والتندر بحرارة الطقس.. لكن التليفزيون المصري بقنواته الرسمية والخاصة لم يحرمنا فرصة مواصلة الاندماج في هذه الأجواء الاحتجاجية الشيقة، فمن لاذ ببيته وغاب عن رصيف مجلس الشعب ـ الذي نزل بضيافته معظم المعتصمين خلال الأشهر الفائتة ـ عليه فقط أن يجلس أمام شاشة التليفزيون في رمضان، ويضغط على أزرار الريموت كونترول واحداً بعد الآخر، لينعش سخطه على الحكومة، ويجدد غضبه على النظام، ويراجع ما ذاكره في بيانات التغيير.. حتى إذا انتهى الشهر الفضيل، عاد إلى مظاهراته وهتافاته حاضر الذهن وكأن شيئاً لم يكن!! كل ذلك على التليفزيون المصري؟؟ نعم..! أليس تابعاً للحكومة وخاضعاً لإشرافها؟ بكل تأكيد..! وما مصلحته إذن في نشر (ثقافة الاحتجاج) التي تستهدف النظام وتضر باستقراره وديمومته؟؟ آه.. هذا هو السؤال.. الآن استرخ كما تفعل كل نهار، واترك لي مهمة البحث في هذه الظاهرة الفريدة في عالم الدعاية (الجوبلزية)، إن جاز التعبير!

حوار صريح جداً

إذا لم تكن من الحريصين على أداء صلاة "التروايح" الرمضانية في جماعة، فإنك حتماً ستتورط في مشاهدة نجوم السياسة والفن على التليفزيون، وهم يصطنعون الحيرة والتردد أمام المذيعة منى الحسيني في برنامجها الذي يوصف بالجريء (حوار صريح جداً).. وهو من البرامج التي أراد بها التليفزيون المصري في نهاية التسعينات أن يضارع القنوات الفضائية العربية في التظاهر بالحرية المطلقة وتجاوز الخطوط الحمراء، لكن إدارة التليفزيون عادت إلى رشدها بعد بضع سنوات، وأوقفت البرنامج فجأة على نحو أغضب منى الحسيني.. فشدت رحالها إلى قناة (المحور) المملوكة لرجل الأعمال حسن راتب، ومنها إلى قناة (دريم) المملوكة لرجل الأعمال أحمد بهجت.. ورغم أن القطبيْن البارزيْن مقربان من السلطة، إلا أن الحسيني تمتعت في ظلهما بحرية ملحوظة في اختيار وتناول قضاياها، ولقيت في المقابل استحساناً من الجمهور المتعطش للنقد، وإن ظلت دائماً من رواد مدرسة الانحياز لطرف دون آخر، وإبداء رأيها الشخصي على الشاشة، بحجة أنها ـ أي المذيعة ـ (تتحدث بلسان الناس) على حد قولها لإحدى الصحف! فإذا أضفت إلى ذلك صوتها العالى وأداءها العدواني في أغلب الأحيان، ستتخيل ـ رغماً عنك ـ في لحظة ما أنك تراقب بتأفف خناقة في الشارع وليس (حواراً صريحاً جداً) كما يدعون!! يعود البرنامج إلى التليفزيون المصري هذا العام، مقابل أجر خيالي للمذيعة، ونسخة مجانية لقناة دريم، وسقفاً أعلى لحرية محسوبة بالورقة والقلم.. فماذا يقدم لمشاهديه؟..

دعت منى الحسيني النائب البرلماني المثير للجدل رجب هلال حميدة إلى البرنامج قبل أيام.. وهو من رجال السياسة الذين دسوا أصابعهم في كافة أطباق المعارضة المتوفرة في بوفيه السياسة المصرية المفتوح، ابتداءاً بالجماعات الدينية المتشددة ـ بل والإرهابية بحسب اعترافه ـ إلى حزب الأحرار، ومروراً بالتردد على عدة أحزاب أخرى عملت على استقطابه، وانتهاءاً بحزب الغد الذي دخله نصيراً لزعيمه أيمن نور، لكنه سرعان ما اشتبك معه في حرب على زعامة الحزب.. وبما أن نور ـ الذي كان يوماً ما من المقربين للرئيس مبارك والأجهزة الأمنية ـ صار من ألد خصوم النظام بعد خوضه انتخابات الرئاسة الماضية، فإن معركة حميدة ضده حظيت بتشجيع وتصفيق من الإعلام الرسمي.. غير أن منى الحسيني نالت الضوء الأخضر كي تخرج عن الصف وتشذ عن هذا الالتزام، فإذا بها تقول لضيفها على بلاطة: أنت من المعارضة المستأنسة!! وأكاد أجزم أن هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها التليفزيون الرسمي بوجود مثل هذه المعارضة أصلاً.. بل ويأتي هذا الاعتراف ـ على لسان المذيعة المدللة ـ في إطار استجوابها للنائب بشأن علاجه على نفقة الدولة رغم ثرائه.. تساءل حميدة بثقة وفخر: كيف أرفض عرضاً كريماً كهذا من الرئيس مبارك شخصياً بعد أن دعاني لزيارته في قصره وقضيت معه ساعة ونصف الساعة؟ ألا يكون ذلك عيباً وقلة ذوق؟؟ فتلاحقه الحسيني باستنكار: أم هي (تورتة)، كل واحد عاوز ياخد نصيبه منها؟!!

لا تأتي منى الحسيني بجديد، فهي تعيد ما دأب الإعلام الخاص والمعارض والمطالبون بالتغيير وفضح الفساد على ترديده حتى الأيام الأخيرة قبل شهر رمضان، حيث كانت قضية العلاج على نفقة الدولة هي المادة الخام لكثير من المظاهرات والاعتصامات، بعد الكشف عن تواطؤ مسؤولين حكوميين ونواب برلمانيين في إهدار نحو 350 مليون جنيه مصري (أكثر من 60 مليون دولار) من ميزانية العلاج على نفقة الدولة، استفاد منها في المقام الأول وزراء ورجال أعمال مقتدرون..

ظن المغفلون أن الحكومة عينها انكسرت، وأنها ستداري على الفضيحة، لكن الحقيقة أن الحكومة عينها جرئية، بل وأجرأ مما كانت عليه في أي عهد.. وأن سياسة الإعلام المصري الرسمي تتجه الآن إلى (استهلاك المعارضة)، ومضغ شعاراتها كالعلكة!! مثل هذا الموقف البطولي للتنديد بالفساد، والذي يفاخر المعارضون بتبنيه حصرياً، سيتقاسمه معهم الإعلام الرسمي، بل ويكرره على الأسماع ليل نهار، إلى أن يتحول إلى مسلسل ممل ومعاد، فيعرض عنه المتفرجون، ويبحثون عن مسلسل غيره..


السائرون نياماً

يذيع التليفزيون المصري في رمضان مسلسلاً مأخوذاً عن رواية المبدع سعد مكاوي، تحمل عنواناً يصف حال الشعوب العربية في استسلامها غير المشروط للفساد والاستبداد.. (السائرون نياماً) رواية بديعة ترجمها بمهارة إلى اللغة التليفزيونية السيناريست مصطفى محرم، وحقق لها المخرج محمد فاضل معادلاً بصرياً ثرياً ومدهشاً.. وأحداثها تدور خلال الثلاثين عاماً الأخيرة من حكم المماليك، فهل هي صدفة أن تُبث على الشاشة مع نهاية العام الثلاثين من حكم النظام الحالي في مصر؟ ستفكر مثلي في هذه المفارقة إذا تأملت في تفاصيل العمل وعينك على ما يجري في الشارع المصري.. فالفنانة المخضرمة فردوس عبد الحميد (البطلة المفضلة لدى زوجها محمد فاضل) تجسد شخصية (زليخة) زعيمة (البهاليل)، وهم المتدينون الزاهدون الذين يلعنون القصر في حلقات الذكر والتسابيح، ويؤلفون خلية للمقاومة الشعبية ضد الحاكم (أي أنهم يخلطون الدين بالسياسة)، لكن الجارية جولشان تعترف: الناس بتحبهم وبتسمع كلامهم... (ألا يذكرك ذلك بالإخوان؟).. وفيما تقول زليخة لأحد مريديها: لازم ناخد حقنا بإيدينا، بس لازم يكون فيه عدل...! وتضيف: الوقت المناسب اللي بنحضرله ونستناه لسه مجاش!! يرد الفتى بلسان حال شباب اليوم المتعجل للتغيير: وياترى حنشوف الوقت المناسب ده، ولا ولادنا اللي حيشوفوه؟... لا تنتهي إسقاطات المسلسل على الوضع الراهن عند هذا الحد.. فهناك أزمة قمح، تماماً كالتي ضربت مصر قبل أسابيع، والفساد الذي تغلغل في أرجاء السلطنة، والفقر الذي يشجع الناس على الهجرة، ومنهم هذا الفلاح الذي خدم لدى الإقطاعيين (رجال الأعمال) أربعين عاماً، لكن زوجته تتمنى لو أنهم (هاجروا زي "وداد").. فيعلق الزوج متأملاً: ومين قالك إنها مبسوطة؟ لكن الزوجة البائسة تتنهد وترد بيأس: أهو كنا تُهنا في الزحمة وعرفنا نربي أولادنا...

سعد مكاوي نشر هذه الرواية في منتصف الستينات، وعندما انتبهت لقيمتها الأوساط الأدبية، فسرتها على أنها إسقاط على فترة ما قبل هزيمة عام 1967 والعوامل التي مهدت لها، وعلى رأسها التناحر بين مراكز القوى داخل مؤسسة الحكم الواحدة.. الآن تعود إلينا الرواية بإسقاط جديد، يطوعه في قالب عصري الكاتب المعروف بثوريته مصطفى محرم في ضوء التململ الشعبي والحراك السياسي في مصر، ويلخصه الشاعر جمال بخيت في تيتر النهاية بأغنية نارية، يتقاسم غناءها على الحجار وفردوس عبد الحميد، تقول كلماتها: حسك عينك.. تكتم حسك تقفل عينك.. قوم يا أخينا وسدد دينك.. حرر نفسك بحر وبر!

هل صبأ التليفزيون المصري؟ هي ارتد عن "حكوميته"؟ هل تراجع عن ملكيته؟ بالقطع لا.. بل ما زال يعمل جاهداً على سد الطريق أمام قوافل المعارضة الجامحة، وتعبيده في نفس الوقت أمام استقرار وديمومة النظام الحالي، ولكن الركض وراء المعارضة وحركات التغيير أصبح موضة قديمة.. جيل الحكام الجدد في مصر صار أصغر سناً، ومستشاروه الإعلاميون لديهم صفحات على الفيس بوك.. وحيلتهم في التصدي لخطاب المعارضين لم تعد الهجوم ولا حتى المناقشة وتداول الأفكار والمطالب، بل ترديد نفس الخطاب بشكل هزلي إلى أن يبلى ويفقد قيمته.. ويعتقد الناس أن من حقهم انتقاد النظام في ظل النظام، وأن رفع الصوت بالمعارضة لا يعني إنكار الولاء..

الجماعة

فرحت في الإخوان عندما شاهدت مسلسل (الجماعة)، فقد تلكأوا سنوات في إنتاج عمل درامي يروي سيرة إمامهم حسن البنا.. ظلوا يعيدون ويزيدون في أخبار التحضير لمثل هذا العمل حتى سبقهم وحيد حامد بقلمه الساحر وفكره المنحاز، وقدم هديته للنظام الحاكم في موعدها، مع بدء حملة واسعة وقوية لحشد التأييد الشعبي لجمال مبارك رئيساً للبلاد، وإعلان الإخوان دعمهم للدكتور محمد البرادعي الذي يعارض هذا الترشيح في ظل الدستور الحالي.. لكنني فرحت أكثر لأننا دخلنا بهذا المسلسل عصراً سبقنا الغرب إليه، يعبر فيه كل تيار عن وجهة نظره في التاريخ بالأداة التي يتقنها ويقدر على تكاليفها.. لن تجد عملاً درامياً تاريخياً معصوماً من التحيز.. لكن هذا هو عصر الدراما.. وليحتكم الجمهور إلى وعيه...
____________
* نشر في صحيفة القدس العربي يوم 23 أغسطس 2010