الثلاثاء، 9 يونيو 2009

دوائي المر!

منذ أتيت إلى لندن في ربيع ألفين وستة، انشطر وقتي إلى نصفين بفعل نوبات العمل، أحدهما أمضيه بمنزلي في صمت، لا أسمع سوى صدى الذكريات.. وهو ما يضطرني في أحيان كثيرة إلى أن أرفع صوتي بالقراءة.. أما النصف الآخر، الذي أقضيه في العمل وسط زملائي وأصدقائي، فلا أكف فيه عن الحديث والحركة..

هكذا فرض نمط جديد نفسه على حياتي ووقتي.. ولم أجد غير الاستسلام له مكرهاً، خاصة هذا العام، فصرت أتنصل من أي نشاط اجتماعي خلال عطلاتي لأتفرغ للدكتوراه.. وتحول الأمر بمرور الأسابيع والشهور إلى ما يشبه السجن الطوعي.. في زنزانة لا ترافقني فيها سوى الكتب والأوراق، ولا منفذ إليها سوى الإنترنت..

تماماً كعقربي الساعة، اللذيْن يسلكان نفس المسار بلا ضجر.. أكرر طقوسي في صمت مطبق، بحرفية وانضباط، ليست في نيتي الثورة عليها أو حتى محاولة تعديلها.. كيف لي وأنا أسابق الزمن كي أنجز المهمة؟..

أوقات سعادتي مؤجلة، أدخرها لمستقبل تحققت فيه أغلى الأمنيات، كي تكون بمثابة الجائزة.. أشرد في وحدتي، سابحاً في فضاء الأحلام، فأرى نفسي كذلك.. متحرراً من فروض تلك المرحلة، التي تمضي ببطء، يكرسه ضباب لندن، وصمتها الأبدي..

إن الملل هو عيب وحدتي في لندن..

لكن ميزتها هي العزاء لي.. فقد أهلتني هذه الوحدة ـ بتأملاتها ـ للاهتداء إلى معنى الحياة، وقيمة الإنسان، والطريقة المثلى للعيش بين البشر، منحتني أوقات الاختلاء بالنفس فرصة النظر إلى الله، والتحدث إليه، بل ومعه.. فقد أجابني أكثر من مرة بعلامات على التأييد والرضا.. ونبهني إلى أن العالم أكبر من غرفتي في المنزل، ومن الطابق الثالث في إجتون هاوس، وأن هناك من يراني ولا أراه.. يشاطرني كل شبر وينصت إلى همهماتي، وينفذ الخطة المرسومة لي قبل أن أولد..

كتبت في وحدتي وقرأت كثيراً، وشاهدت أفلاماً أكثر.. حفل عقلي وقلبي بأفكار لن يكفي العمر القصير للتمعن فيها.. عرفت ذاتي، وماذا تريد.. وحاسبت نفسي، وروضتها على الصبر والإرادة.. نلت الماجستير، واقتربت من تحقيق حلم الدكتوراه، أنجزت فصلاً في رسالة علمية بلغة لم أتعلمها في طفولتي، ولم أتقنها في صباي.. صنعت أفلاماً، وخططت لأخرى.. لقد ساعدتني الوحدة ـ برغم قسوتها ـ على العمل...

إن وحدتي كالدواء المر!..

الأحد، 7 يونيو 2009

من خواطر القطار!


كم من الآلام في هذا العالم من صنع البشر! الذين يسبّون قسوة الحياة وهم أحد أسبابها.. ويندبون حظهم وهم يستحقونه، ينتقدون أفعال الناس ثم يكررونها.. يلومون على الآخرين حقدهم، وهم أول من يستكثر الخير على الغير.. يدوسون على المشاعر، ثم ينظمون الأشعار، يخفون أسرارهم، ثم ينقبون عن أسرار من حولهم..

يا إلهي..
إننا وقود الحرب التي تقتلنا، ومادة الكراهية التي ننفر منها، فكيف لنا أن نجهل سر تعاستنا؟

السبت، 6 يونيو 2009

ثمْن الطريق في ثلث الزمن!

السابعة والنصف صباحاً..

أنتظر القطار للتوجه إلى العمل.. شارداً كالعادة، خاصة بعد أن مارست عادتي الصباحية بالاستماع إلى أغنيات فيروز الرقيقة..

لم أنم ليلة أمس تقريباً.. أشعر باحتقان في حلقي يزيد من إشفاقي على أمي، التي تعاني من سعال مزمن.. أدعو لها كل مرة أبتلع فيها ريقي، وأشعر بالألم، وأتمنى لو أن ألمي هذا يعيد إليها الصحة والعزيمة..

لكن أرقي دفعني بحماس لاستكمال خلاصة الفصل الأول، التي استعرضت فيها أهم الأفكار التي تناولتها به، كما وضعت قائمة بالكلمات المفتاحية Key words بعد المقدمة ـ التي لم أنته منها بعد ـ لتظهر صورة العمل أخيراً أقرب ما تكون لفصل في رسالة دكتوراه حقيقية..

الآن أفكر فيما مضى من المشوار وما تبقى، فبميزان الكلمات.. انتهيت بالفعل من كتابة ما يزيد عن عشرة آلاف كلمة، والمطلوب للرسالة إجمالاً نحو ثمانين ألف كلمة.. فإذا كان عليّ أن أخطو ثمان خطوات في ثلاث سنوات كي يتحقق الحلم، فها قد قطعت خطوة منهم في أقل من عام.. أي ثمن الطريق في ثلث الزمن..

إن هذا يعني أن عليّ أن أزيد من سرعتي كثيراً خلال العامين المقبلين، وقد يعني ذلك مزيداً من الوقت المخصص للدراسة، ليس بالضرورة على حساب عملي الصحفي، وإنما بمزيد من التنظيم والحكمة في إدارة الوقت..


أتذكر صورة أمي المعلقة على حائط غرفتي، وهي تتشبث بذراعي يوم التخرج من الماجستير، وابتسامتها تنطق بالسعادة والفخر والرضا، أتمتم بالدعاء إلى الله: يارب أعنّي على تحقيق حلم الدكتوراه كي أسعد أمي.. يارب أمدها بالصحة وطول العمر حتى تنال هذه اللحظة التي ستتوج كفاحها وصبرها..

إنني لا أملك سوى الدعاء لأمي، ولا أراهن على سواه.. وهذا هو سلاحي أيضاً في رحلة الدكتوراه...

الجمعة، 5 يونيو 2009

إحصاءات (نصر الدين)!

اضطررت ـ خلال مراجعتي الأخيرة للفصل الأول ـ لحذف فقرات مطولة، لأنها تتضمن إحصاءات غير محدثة، منقولة عن كتب وأوراق علمية، وليست تقارير أصلية.. التقارير مصدرها الوحيد في العادة هو مراكز الأبحاث ـ سواء المستقلة أو التابعة لشركات كبرى ـ وهي مكلفة للغاية، والوصول إليها يكاد يكون مستحيلاً..

كان الوقت فجراً، عندما أنهيت مهامي في العمل قبل ساعتين من موعد انتهاء النوبة.. غادر أحد الزملاء مبكراً كي يستعد لاختبار رخصة القيادة ظهراً، ولم يبق سواي مع زميل آخر.. أخرجت أوراق الدكتوراه آملاً في أن أستكمل مراجعتها الأخيرة، وأرسلها إلى زميلي نيل كوليه، الذي يتطوع دائماً لمراجعتها اللغوية..

ما أن شرعت في المراجعة، حتى اقترب رئيس تحرير النشرات الإخبارية، ممسكاً بيده بضعة أوراق، كانت تتضمن على الأرجح مادة صحفية لتحويلها إلى خبر أو تقرير.. راقبته دون أن أمعن فيه النظر، متمنياً أن يدعني وشأني كي أتفرغ للمراجعة.. وبالفعل، أعطى بالأوراق لزميلي، وكلفه بترجمة تقرير عن بي بي سي الإنجليزية..

تنفست الصعداء.. وواصلت مهمتي بحماس، كنت سعيداً لأن مراجعتي للبحث طمأنتني.. لقد بدا ثرياً ومتماسكاً.. الأخطاء التي عالجتها كانت قليلة، لكن كان عليّ أن أستبعد تلك الإحصاءات الثمينة التي برهنت بها على كثير من النتائج، لأنها ليست حديثة بما يكفي.. عليّ أن أفكر كذلك بأن الرسالة سوف تنشر ـ بإذن الله ـ بحلول عام 2012، وعندها ستكون هذه الإحصاءات من إرث الماضي السحيق، خاصة في مجال الإعلام الحديث، الذي يتطور بسرعة لافتة..

أفقدتني الفقرات المحذوفة بضع مئات من الكلمات، فانخفض إجمالي الفصل الأول إلى ما دون العشرة آلاف كلمة بقليل، لكن لا بأس، لم يعد بمقدوري في هذه المرحلة أن أضيف المزيد، كما أن المشرف لن يزن البحث بالكلمات، كما يحدث عادة في مصر.. أنهيت المراجعة راضياً، وقمت بتنسيق الصفحات على نحو أنيق، وطبعت البروفة الأخيرة..

بفخر لملمت أوراقي، فقد انتهت نوبة العمل مع شقشقات الصباح، ووصل السائق الذي سيعيدني إلى المنزل، غادرت بي بي سي وأنا أفكر في البركة التي تحل بأوقات السحر، فتضاعف الجهد وتأتي بالتوفيق..

في طريقي إلى المنزل كنت أتذكر الفقرات المحذوفة، وكم أرهقني جمعها في الأشهر الماضية، وها أنذا أرغم نفسي على حذفها.. لقد فقدت بضعة أرقام ونسب مئوية، كان من شأنها إضفاء المصداقية على كثير من النتائج والخلاصات، لكن تأثيرها سيكون عكسياً لو لم أحذفها.. عليّ أن أجد بديلاً لها على أي حال.. ليس على وجه السرعة، ولكن خلال المرحلة المقبلة من البحث على الأقل..

لم يهدني تفكيري في هذه اللحظة إلى السبيل الذي سأسلكه كي أعثر على إحصاءات محدثة تتصل بموضوع البحث.. لكنني عزمت على أن أحصل عليها حتى لو اضطررت لدفع المال.. عندما أنتهي من مناقشة الفصل الأول، وأعود من إجازة الصيف، ستكون خطوتي الأولي هي الاتصال بمراكز الأبحاث الناشطة في حقل الإعلام الحديث.. تبدو المهمة مستحيلة وأنا أتخيل أسعاراً لا تناسب إلا عملاءها من الشركات والجامعات، فتلك المراكز البحثية لا تعمل لوجه الله، ولن تتطوع بإمدادي بالمعلومات لأنني طالب دكتوراه فقير..

وصلت إلى المنزل، فتحت التليفزيون على الفور كعادتي، فوجدت تقريري الصحفي ـ الذي انتهيت من إعداده قبل ساعتين ـ على الهواء.. شاهدته، ثم أرسلت نسخة الفصل الأول إلى زميلي نيل عبر البريد الإلكتروني، بعدها انطلقت إلى الفراش...

مضت الساعات وأنا أسبح في فضاءات النوم.. أعيش حياتي الأخرى في الحلم.. ثم فجأة انتشلني جرس الهاتف من تلك الأعماق.. أجبت بصوت متقطع: من؟ نصر الدين؟ نصر الدين من؟ آآآآه.. نصر الدين.. كيف حالك؟ لم أسمع صوتك منذ سنتين.. بالتأكيد سأسعد برؤيتك.. غداً؟ لا بأس..

أعدت رأسي إلى الوسادة.. ونظرت إلى سقف الحجرة وأنا أفكر.. نصر الدين، زميلي في الجامعة خلال فترة الماجستير؟ كان يدرس في تخصص آخر، لكنني تعرفت عليه من خلال صديقنا المشترك زياد.. من اللطيف أن يتذكرني نصر الدين بعد طول غياب.. ولكن ما الذي دفعه للاتصال بي فجأة..

ظللت حائراً حتى التقيته وفق الخطة مساء أمس، اجتمعنا في ميدان ليستر الحيوي، وانضم إلينا بالصدفة مصطفي المنشاوي وأحمد زكي وزوجته شيماء.. بعضهم كان قد التقى نصر الدين ـ الجزائري الأصل ـ من قبل.. جلسنا بأحد المقاهي الإيطالية، وبدأنا واحدة من حلقاتنا النقاشية الممتعة..

على هامش الحديث، سألت نصر الدين عن طبيعة عمله الجديد، الذي يفخر بفعالياته دوماً على الفيس بوك.. فقال لي باعتزاز: باحث في تكنولوجيا الاتصالات..

حدقت فيه النظر، وسألته: ماذا؟ فأعاد الإجابة، لكنها وقعت على أذني هذه المرة مصحوبة بصدى رخيم، وقد محت كل من حولها من أصوات.. ثم أضاف: في مركز متخصص، يجمع الإحصاءات بشكل دوري عن كل ما يتعلق بسوق الاتصالات..
تاه صوته في صمتي المتأمل.. ألهذا أرسلك الله؟ ربما لم تكن تدر أنت أيضاً لماذا ـ وفجأة ـ فتشت عن رقمي واتصلت بي.. ربما كنت منهمكاً في عمل ما، ثم همس هامس في أذنك بهذا الأمر.. الأمر.. أن اتصل بمحمد سعيد، أنه بحاجة إليك..

ـ إنني بحاجة إليك..!

قلتها، واضعاً كفي على صدري ممتناً، ضاغطاً على الأحرف كما لو كنت أذيع نبأ النصر.. وشرعت في شرح موضوع رسالتي، الذي كان هو نفسه المجال الذي يجري عليه أبحاثه لصالح شركات كبرى..

طمأنني نصر الدين، سيمدني بالمعلومات التي سأحتاجها، أياً كانت وفق تأكيده.. سيقضي عطلة نهاية الأسبوع مع أسرته في باريس، وبعدها سنلتقي من جديد، ليزين بحثي بالأرقام والنسب المئوية اللازمة..

عدنا إلى دائرة الأصدقاء، واندمجنا مجدداً في الحديث، لكن كل منا كان قد استقر وجدانه الحائر، بعد أن عرف سر اللقاء، بعد طول الغياب..

وانتهت الليلة الجميلة، بابتسامات الرضا...

الأربعاء، 11 فبراير 2009

الأم المثالية


السادة أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة الأم المثالية..

أكتب لكم من لندن، حيث أدرس للحصول على درجة الدكتوره في الإعلام بمنحة من جامعة رويال هولواي، بعد أن حصلت في العام الماضي من نفس الجامعة على درجة الماجستير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف بمنحة من وزارة الخارجية البريطانية.. هذه الرحلة الدراسية، أعقبت مشواراً مهنياً حافلاً بالإنجازات والجوائز في مجال الصحافة والتليفزيون.. انتسبت فيه لأكبر المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية (الأهرام، تليفزيون أبو ظبي، بي بي سي)، كما تنقلت بين عشرات الدول للدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان من خلال برامجي التليفزيونية، التي أنقذ أحدها ذات مرة مواطناً صومالياً بريئاً من السجن مدى الحياة في إيطاليا...

الحقيقة أنني ـ بمقاييس الكثيرين ـ أعد شخصاً ناجحاً.. لكنني أود في هذه الرسالة أن أشرح لكم، كيف أنني لا أملك على الإطلاق أي نصيب من هذا النجاح والتفوق، وأن كل الثناء والمديح والتكريم ينبغي أن يتوجه إلى إنسان واحد فقط، هو الذي صنع هذا المجد في صمت وبلا مصلحة، إنه أمي...

لقد صنعتني أمي.. قررت منذ طفولتي المبكرة ـ وربما منذ ولادتي، أو حتى قبلها ـ أن تجهزني لشأن عظيم، رسخت بداخلي العزيمة على أن أكون ذا رسالة ومكانة، وأن أسعى لتحقيق أرقى الأهداف.. بذكاء وحكمة زرعت داخلى بذرة الإرادة والصبر، وروتها بكلمات وأفعال ما زالت تهديني في ظلمات الغربة.. وها أنذا اليوم، أرفع صوتي بفخر، وأقول: أنا صنيعة أمي.. ما كنت لأبلغ ما بلغت، ما كنت لأحلم، ولا أقدر على تحقيق الحلم، لولا أمي.. كل شيء، كل شيء في حياتي منسوب لها: خلقي ومعاملاتي، ثقافتي وعملي، صبري وإيماني، لكل صفة من تلك القائمة الطويلة قصة، سعت فيها أمي لوضع حجر في بناء شخصيتي، كما لو كانت تؤسس مشروعاً ضمن برنامج من إعداد أفضل الخبراء...


شجعتني أمي على حب القراءة عندما تجاوزت منتصف عقدي الأول، بوضع قصص على المائدة، وحين أنتبه إليها، تزعم أنها مكافأة لتلاميذها النابغين.. ويدفعني الفضول للتعرف على تلك الهدية الثمينة، فأطلب من أمي استعارتها، لتقبل أن تعطيني إياها، متعهدة بشراء غيرها للتلاميذ... ومن هنا بدأت رحلتي الطويلة مع القراءة، ولا أظن أنني كنت لأمتهن الصحافة والفكر، دون أن أدخل من بوابة القراءة والاطلاع، التي أرشدتني أمي إليها، وكأنها تؤهلني بثقة وبصيرة لما سيقتضيه عملي في المستقبل..


وعندما بلغت الثانية عشر، نصحتني أمي بقراءة عمود صحفي في مناسبة عيد الأم، وزادني المقال حباً وتقديراً لأمي، لكنه أيضاً علق مشاعري بأسلوب كاتبه الأستاذ الكبير مصطفى أمين، فواظبت يومياً على قراءة أعمدته، وبحثت عن كتبه، وقرأت أغلبها، فتعلقت أكثر وأكثر بأسلوبه وحكاياته، وبعد أشهر قليلة كنت أردد اسمه مصحوباً بلقب (مثلي الأعلى)، وتمنيت أن أصبح مثله صحفياً وطنياً يساهم في صنع تاريخ بلاده، وسعدت أمي لذلك، بل وأرسلت إليه تطلب منه استقبالي ومراسلتي.. وزاد الحلم بداخلي، حتى درست الإعلام وتفوقت فيه، فرشحني مصطفى أمين لجائزته، ومنحها لي أمام نخبة من رجال السياسة والإعلام والفن، في حضور أمي، التي حيته بعد الاحتفال، فطمأنها إلى أن ولدها سيكون له شأن في المستقبل..


لم توفر أمي فرصة لإسعادي.. كانت ـ فيما بدا لي ـ تنفرد بنفسها ليلاً وتفكر، كيف لها أن تساعدني على الارتقاء والتقدم إلى الأمام.. كيف يمكن أن تصنع لي وبي تاريخاً تزهو به وتفخر..


كانت أمي كذلك زوجة صالحة.. وبرغم اقتسامها أعباء الأسرة مع والدي، إلا أن صوتها ظل خفيضاً حانياً في وجوده وحتى رحيله، لا تحتفظ ذاكرتي بمشهد واحد تعدت فيه أمي على منزلة أبي كرب وقائد للأسرة، أذكرها وهي تتبادل المزاح معه في الصباح، وهي تعد له ولنا الفطور، وهي تساعدنا على ارتداء ملابسنا، ثم تصطحبنا إلى المدرسة، وهناك عليّ أن أنسى تماماً أنها أمي، وأن أخاطبها كمعلمتي في الفصل، وقد قست عليّ كثيراً في حين دللت زملائي لغرس فضيلة التواضع لديّ، وبعد انتهاء اليوم الدراسي نعود للمنزل، ويعود أبي من عمله، ويتسابق الاثنان في إعداد وجبة الغداء، ثم يتبعاننا إلى المائدة، ويتباهي كل منهما بالتهامنا الطبق الذي أعده.. والحقيقة أن نكهتهما في الطعام كانت واحدة على نحو يصعب تصديقه..


ظلت أمي لسنوات تسعى لنيل فرصتها في السفر بحثاً عن رزق أوفر للارتقاء بمستوى الأسرة، أملاً في أن تحل محل أبي الذي لم يكف عن السفر لنفس الغرض منذ زواجهما، وعندما وقع عليها الاختيار لتعار إلى سلطنة عمان، لم يتردد أبي في العودة من السعودية، وإفساح المجال لها كي تخوض التجربة نزولاً على رغبتها، وتبادل الاثنان أدوارهما، غابت أمي عن الأسرة أربعة أعوام لتوفير دخل أكبر، بينما بقي أبي في البيت يمارس الأعمال المنزلية بمهارة، مازجاً بين حنان الأم وشدة الأب.. لكن رسائل أمي لم تنقطع، وعندما أراجعها اليوم، أدرك كيف اهتدى بها أبي في تلك السنوات الأربع.. إن العشرات من تلك الرسائل التي بعثت بها أمي إلى أبي وأختى وإلىّ من مقر عملها وإقامتها في مدرسة ابتدائية بقرية جبلية نائية في سلطنة عمان، تصلح منهاجاً يسترشد به الآباء في تقويم أبنائهم...


أنهكت هذه الرحلة الشاقة صحة أمي، فعادت منها مريضة، وتحتم ـ لكي تعود إليها عافيتها ـ نقل نحو خمسة لترات من الدم إلى جسدها الواهن، وسارعت بمد ذراعي لنقل كل نقطة دم في جسمي إلى أمي، لكن المستشفى لم توافق على سحب أكثر من لتر واحد فقط، فهرعت إلى أصدقائي أستغيث، وإذا بالعشرات منهم يفدون إلى المستشفى، مشمرين عن سواعدهم، وتم نقل الدم، وعادت أمي إلى البيت، مدينة بحياتها إلى أصدقائي، الذين فعلوا ما فعلوا بفضل تربيتها لي على كل الصفات الحميدة...


لم يأل أبي جهداً في رعاية أمي خلال مرضها، لكن سرعان ما أصابه المرض هو الآخر، وغادر الحياة.. وكان علي القارب أن يواصل المسيرة، فتولت أمي قيادته وحيدة.. بينما كنا في سنوات الجامعة، نتأهل لمواجهة المستقبل..


كنت ـ بعكس معظم أقراني من الشبان ـ ممنوعاً من اللهو في الشوارع والطرقات، أبت أمي إلا أن أجتنب رفقاء السوء، بتشجيعي على قضاء أوقات الفراغ في البيت بين القراءة والكتابة.. وبرغم ذلك الحرص الفائق على تنشئتي في ظلها كي يطمئن قلبها، خضعَت لرغبتي في الانتقال للقاهرة، بحثاً عن ذاتي وأحلامي.. دفعَت بي إلى زحام العاصمة، إيماناً بأن موسم الحصاد سوف يبدأ من هناك.. من حيث بدأت مسيرتي المهنية في صحيفة الأهرام..


بعد زواج أختى، صارت أمي وحيدة، لكنها لم تتمرد مطلقاً على تلك الوحدة، بل وظفت فراغها الجديد للتفكير في المستقبل، أعدت الكثير، ولم تكشف عنه إلا بعد سنوات، كأغراض زواجي والادخار وسداد الزكاة والصدقات نيابة عني..


وشاء القدر أن تسقط أمي في فخ المرض الخبيث، كان يوماً فارقاً في عمري، ذلك الذي خصتني فيه أمي بالسر، أذكره بأدق تفاصيله كأنه كان بالأمس.. وأشد ما أدهشني يومها هو أن أمي كانت تبلغني بنتيجة تحاليلها الطبية، وهي تضحك.. وأغلب ظني أنها أرادت بذلك أن تخفف عني أثر الخبر المفزع...


وانطلقت إلى سماعة الهاتف، وسألت كل من أعرف ومن لا أعرف عن الطبيب المناسب لإجراء العملية الجراحية اللازمة، حتى رشح لي كبار أساتذتي طبيباً مرموقاً، استقبلنا بمستشفى القصر العيني في اليوم التالي، وتمت العملية بدون أن يعرف بها من العائلة سواي.. حملت المسؤولية على كتفي الصغير، ولم أجد من أشكو له قلقي على أمي إلا الله.. حتى أختي ـ التي كانت حاملاً في أشهرها الأخيرة ـ أصرت أمي على ألا أبلغها..


بعد أن تعافت أمي بأيام تلقيت عرضاً سخياً للعمل في تليفزيون أبو ظبي، ولم أعرف ماذا أفعل.. حتى قطعت أمي حيرتي، وأمرتني بقبوله فوراً، خاصة أن صمودها اللافت جعلها تتخطى المرحلة الحرجة بعد الجراحة، وتعود للوقوف على قدميها..


خلال عملي التليفزيوني ظلت أمي جمهوري الأمين الذي يصدقني النصيحة حتى لو آلمتني، كثيراً ما كانت تناقشني في الطريقة المثلى التي ينبغي أن أناقش بها القضايا، وتلومني بقسوة إذا لم أزن بين ضيوفي بالعدل، وتسهر الليالي في جمع قصاصات من الصحف قد توحي لي بأفكار جديدة..


أنابت عني أمي في إنجاز مصالحي بمصر منذ انتقالي إلى أبو ظبي ومن بعدها إلى لندن للدراسة والعمل، تحملت عني مراراً عبء السفر إلى القاهرة لتجديد إجازتي من صحيفة الأهرام بكافة إجراءاتها المعقدة، وكانت تصر على ذلك بحماس ورضا..


لذا فقد كان سعيي الدؤوب لتحقيق حلمها في حصولي على الماجستير من بريطانيا، وتحول الحلم إلى حقيقة عندما شهدت حفل تخرجي الأسطوري، واستمعت إلى إشادة أساتذتي بي، وكنت أُعَرفهم بها مردداً بفخر: هذه هي أمي ومعلمتي، لولاها ما كان لي مكان بينكم..
تختزل هذه السطور عشرات القصص الملهمة، التي أنكرت فيها أمي ذاتها ودفعت بي للمقدمة.. نجحت أمي في مهمتها التي كلفت نفسها بها ربما قبل مولدي، قدمت للعالم إنساناً صالحاً يحب الخير ويسعى له، ويجتمع على حبه وتقديره الكثيرون.. لكن ربما لا يعلم هؤلاء أن أمي هي الأساس، إنها أم نادرة، مثالية بكل ما تنطوي عليه تلك الكلمة من دلالات ومعان..


إن أمي تستحق التكريم بما عانت، وما نالت.. ينبغي أن يُتوجها المجتمع بأرفع الألقاب، وأن يسجل اسمها في صفحات التاريخ، عنواناً للتضحية ونكران الذات..


أشكركم على سعة صدركم، ولكم مني كل التقدير والاحترام،،،

محمد سعيد محفوظ
لندن

الجمعة، 30 يناير 2009

ماذا تفعل؟

ماذا تفعل إذا كنت محاطاً بأكثرية من المتسلقين والانتهازيين وأنصاف الموهوبين؟
وماذا تفعل لو ترقّى معظمهم، فصار هراؤه قراراً، وهرطقاته حكمة؟

الاثنين، 26 يناير 2009

في اللحظة الأخيرة!

رأيت في الحلم أن أمي تستقل حافلة، فجأة انحرفت عن الطريق وانقلبت، وقبل أن تسقط.. اقتحمت الحافلة، وحملت أمي كالطفل، وأنقذتها، بينما كانت هي مطمئنة، وتمزح مع آخرين...!