الأربعاء، 5 أغسطس 2009

مستقبل البلاد!


يتقدم زعيم الحزب بخطواته الواثقة نحو غرفة الاجتماعات، متأبطاً عشرات الأوراق التي سيعرضها على رجال حزبه في اجتماعهم الأسبوعي! يبادر الساعي بفتح الباب والانحناء لدى دخول الزعيم، ثم يغلقه من خلفه، مشيراً لزميله قبل أن يشرع في الثرثرة: شششش! الاجتماع بدأ..!


يتخذ الزعيم مكانه على رأس الطاولة، فيما يتحلق حولها نوابه ورفاق كفاحه من قيادات الحزب.. يفتح الجميع ملفاتهم المتخمة بالبرامج والخطط.. كل منهم يطمع في التصويت لاقتراحه بشأن موضوع الاجتماع المصيري: مستقبل البلاد وسبل الخروج من أزمتها! يستهل الزعيم كلمته الافتتاحية، بعبارة قاطعة: مستقبل البلاد على المحك، وعلينا أن... وفجأة، يرن جرس هاتفه المحمول.. يتلعثم، يلقي نظرة خاطفة على شاشته، ثم يلقي به إلى سكرتيره الشخصي ـ الذي يجلس إلى جواره ـ متظاهراً بعدم الاكتراث، ليستكمل من بعد ذلك الكلمة..

ينتحي السكرتير جانباً وهو يجيب على المتصل بصوت هامس: (...) أهلاً وسهلاً!! (...) لا، الزعيم مشغول الآن! (...) لا يمكن على الإطلاق، لديه اجتماع هام! (...) أي تصريحات تلك؟ لم نسمع بها! (...) ابق معي على الخط، سأعرض عليه الأمر!

من جديد، يضطر الزعيم للتوقف عن استعراض التحديات التي تواجه بلاده، إذ يهمس السكرتير في أذنه: صحفي من محطة تليفزيونية يؤكد أن زعيم الحزب المنافس يدلي الآن على الهواء بتصريحات مضادة لحزبنا، يشكك فيها بولائنا للشعب!!

ينتفض الزعيم واقفاً، وينتزع الهاتف من السكرتير، ويصيح فيما يبتعد عن طاولة الاجتماعات العريضة: كيف يجترىء على حزبنا العتيق؟ كيف يجسر على انتهاك تاريخنا في النضال؟ كيف يقدم على المس بوطنيتنا؟!.. كان المجتمعون قد توقفوا عن التقليب في أوراقهم، ليتابعوا في ترقب ثورة الزعيم..

يسود الصمت لحظة، والزعيم ما زال متشبثاً بالهاتف، قبل أن يندفع مستفسراً من الصحفي بغضب: أنا وهو على الهواء الآن؟ وما أن يأتيه الرد ـ فيما بدا للحاضرين ـ بالإيجاب، حتى ينبرى مجدداً في كيل الاتهامات لزعيم الحزب المنافس، والهجوم عليه، والنيل منه.. يستعرض الزعيم بفخر ماضي حزبه، والمعارك التي خاضها ضد الاستعمار، والانتفاضات الشعبية التي قادها وحقق بها الأمجاد... ثم يستنكر على الحزب المنافس كونه وليداً، تنقصه الحنكة السياسية، وتستقطب شعاراته الحماسية صغار السن فقط...

يخرج الزعيم من الغرفة ليواصل اشتباكه مع منافسه الشاب ـ عبر القناة الفضائية ـ في الردهة المهيبة، أمام عينيْ الساعي الحائرتين... أما السكرتير ـ الذي تسمر في مكانه منذ بدأت ثورة رئيسه ـ فيتناول الريموت كنترول، ويضغط على الزر رقم واحد، وهو يصوبه باتجاه جهاز التليفزيون الضخم، لتظهر الشاشة وقد انشطرت لنصفين، على أحدهما صورة الزعيم بكوفيته التقليدية، وعلى الآخر صورة منافسه بلحيته الكثة..

وتمضي ساعة على الحديث الهاتفي المذاع، وقيادات الحزب لا يغادرون مقاعدهم كما لو كانوا في دار لعرض الأفلام الإباحية.. فبعضهم يجفف عرقه، والآخر يبل ريقه برشفة ماء، وكلما ألقى المذيع بسؤال ماكر على الزعيم، يبالغ الجميع في الإصغاء، ثم يهتفون ويصفقون بعد أن يدلي زعيمهم بالإجابة الشافية، وكأنه أحرز هدفاً في مباراة...

ينتهي البرنامج، ويشكر المذيع ضيفيه، اللذيْن كثيراً ما يلتقيان على وسائل الإعلام، لكنهما لم يجتمعا في غرفة واحدة منذ سنوات.. يردد المذيع شعار القناة الشهير بسعادة، ثم يختم البرنامج، تاركاً جمهوره في غرفة الاجتماعات مستغرقاً في تجهيز عبارات المديح التي سيستقبل بها زعيمه..

تمضي دقائق، نصف ساعة، ساعة.. ولا يعود الزعيم إلى الاجتماع الخطير.. وما زال معاونوه مرابطين حول الطاولة، يمتنعون حتى عن تبادل الرأي في المقابلة أو جدول أعمال الاجتماع انتظاراً لعودة الزعيم.. لكن الزعيم لا يعود...

يخرج السكرتير باحثاً عن رئيسه، يصادف الساعي، يسأله: أين الزعيم؟ يرفع الساعي حاجبيه، ويخفض جفنيه، ويقول: معرفش! لقد ظل يصيح في الهاتف وهو يسير على غير هدى، حتى خرج من مبني الحزب..!!

يسارع السكرتير بالاتصال بالزعيم، متحدثاً إليه بنبرة خافتة كعادته.. وبعد لحظات ينهي المكالمة، ويعود أدراجه إلى غرفة الاجتماعات.. يفتح الباب على مصراعيه، ويهتف في المجتمعين: لقد ألغي الاجتماع...

يقفز الرجال من مقاعدهم، ويسألونه بصوت واحد: لماذا؟؟ فيجيب، مجاهداً ابتسامة: الزعيم نسي نفسه! وظل يسير وهو يتحدث للقناة التليفزيونية، حتى وصل إلى منزله!!

يتطوع أحدهم بسؤاله: وماذا عن مستقبل البلاد؟ فيرد السكرتير بهدوء: سنناقشه الأسبوع المقبل، أو الذي يليه...

أما الساعي فينظر إلى زميله ملياً... لكنهما لا يجرؤان على التعليق!

الاثنين، 27 يوليو 2009

"بهلوانات الصحافة" في البيت بيتك!


نكأت مقابلتي على برنامج (البيت بيتك) ـ ليلة 14 يوليو الماضي ـ جراحاً مزمنة في جسد الإعلام العربي، اتسعت وغارت وتعفنت، ومات الإحساس بها.. استدرجني خيري رمضان بمهارة لنزع الجبيرة الهشة التي أخفينا بها هذه الجراح لسنوات، فإذا بنا أمام وضع صادم يثير الغضب والشفقة في آن.. كان فيلمي عن الواقع الإعلامي من خلال تجربتي الشخصية ـ وهو الذي أطلقت عليه بلا تردد (أي كلام) ـ هو المناسبة التي شجعتنا على إعادة النظر في كل شيء.. لقد نجح الفيلم في أن يقرع أجراس الإنذار من داخل البيت الإعلامي الرسمي، والثمن دفعته طوعاً، عندما شبهت نفسي ـ في لقطة ترمز لما آلت إليه المهنة ـ بالصحفي المهرج، الذي يصفق له الجمهور كما لو كان يؤدي فقرة في السيرك..

كانت هذه الفكرة ـ التي تحديت بها نفسي وزملائي والجمهور ـ هي ما أثار حفيظة البعض على مقابلتي في (البيت بيتك)، إذ كيف ـ من وجهة نظرهم ـ أختزل جمهوراً متفاوت الثقافة والميول، في بعض أفراده فقط ممن يقتلون الوقت بمشاهدة حلقات التوك شو والمغامرات الصحفية وبرامج الميدان، كتلك السيدة التي صارحتني قبل سنوات بأن سر متابعتها لبرنامجي هو أنه (يسليها) وقت إعداد الغداء!! قالتها على سبيل الإطراء، لكنني اختزنت المشهد بألم ودهشة في عقلي الباطن، حتى تمكن الجراح من استخراجه مع ورم في رأسي بعد حين، ليظهر في لقطة سيريالية بالفيلم، أدركت منذ اللحظة الأولي أنها ستصيب زملائي الصحفيين بالصدمة..

لقد حفلت ردود الأفعال على المقابلة والمقتطفات التي عرضت من الفيلم بالعديد من الالتباسات، فمن الزملاء من عاتبني على (تنكري للمهنة)!!، ومن المدوّنين من أشاد بصراحتي بوصفي (المهرج التائب)!!، ومن النقاد من اعتبر التركيز على لقطة المهرج وإغفال الإسقاطات الأخرى استغلالاً للفيلم في حرب بالوكالة ضد الصحافة والصحفيين... لم يهتد أي من هذه التفسيرات للحقيقة التي أراد الفيلم أن يبلغها، وأردت من خلال مقابلة (البيت بيتك) أن أبرزها...

ولعل من تسنت له متابعة أعمالي التليفزيونية خلال الفترة بين عامي 1999 و2005 ـ قبل أن أذهب إلى بريطانيا للدراسة ـ سوف ينتبه للفخ الذي سقط فيه هؤلاء لدى تفسيرهم للفيلم والمقابلة، فلقد كانت برامجي ـ وبعضها على "يوتيوب" ـ منابر لضحايا المنع والرقابة، وميداناً للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.. كل ما في الأمر أنني أردت ـ من خلال الفيلم ـ أن أنقي ثوبي الإعلامي من "دنس" ما يعرف لدى بعض الصحفيين بالـ (الفرقعة)، تلك التي غالباً ما تتحقق على حساب الأمانة والمصداقية..

أما الحقيقة الأهم، التي ضلت طريقها في غمرة النقاش مع زميلي خيري، فهي أن المهرج لم يكن أنا، وإن كنت قد أديت دوره في الفيلم.. كان المهرج هو صورة الإعلام في مرآة الجمهور، محاطاً بكل عناصر التشويق التي توفرها المؤثرات الصوتية والبصرية.. أذكر أنني في شتاء عام ألفين صوّرت حلقة من برنامجي (مقص الرقيب) في معتقل الخيام بعد أشهر من تحرير الجنوب اللبناني، واستعنت بمدير إضاءة لابتكار جو من الإثارة في ممرات السجن.. وهكذا ظهرت في الحلقة وأنا أتجول ـ برفقة أسير محرر ـ في هذه الممرات الضيقة وداخل الزنازين الموحشة، ممسكاً بمصباح، وهامساً بملاحظاتي وأسئلتي في أذن مرافقي... وبعد إذاعة الحلقة كان أطرف ما نشر عنها مقال لكاتب مرموق في صحيفة الحياة اللندنية، أطرى فيه على شجاعتي في (اقتحام السجن سراً بعد منتصف الليل للكشف عن خباياه)!!.. واصفاً حلقة البرنامج بالمغامرة!! لذلك تحديداً فإنني لا أرى اختلافاً بين صناعة الإعلام وصناعة الشيكولاته، كلاهما ينبغي تغليفه بالشيفون والسوليفان قبل بيعه!! وهذه القاعدة الموروثة هي التي أنتجت جمهوراً استهلاكياً، ينجذب فقط للشكل، بغض النظر عن المضمون...!!

الصحفي المهرج ـ الذي لم يتوفر له السياق الدرامي فغاب عن الفيلم ـ كان حاضراً بقوة خلال مقابلتي مع خيري رمضان في (البيت بيتك)، فقد تحدثنا عن الذين يخلطون الرأي بالمعلومة، والذين يبالغون في استعراض القضايا، ويستغلون مشاعر الجمهور، والذين يستحثون ضيوفهم على الصياح، وينافقون السلطة، وينشدون الشهرة على حساب الأمانة والموضوعية، كما تحدثنا عمن يلعبون دور القاضي، ويجارون (أو يخربون) أذواق الجمهور.. تمنيت لفيلمي أن ينوب عني في الاستهزاء بهؤلاء.. لكن خيري دفع بي إلى ساحة الكلام، مطمئناً لتسلحي بفيلم جريء، طالت جرأته صانعه المسكين..!

الثلاثاء، 9 يونيو 2009

الاستعداد لنهاية الجولة الأولى!

ما أن استيقظت من النوم أمس، حتى أرسلت أخيراً نسخة الفصل الأول إلى البروفيسور جون المشرف على رسالتي، بعد الانتهاء من تنقيحها وتنفيذ التصحيحات اللغوية المحدودة التي أوصى بها نيل، لكنني لم أكتب بعد المقدمة، ولا أظن أن حالتي الصحية خلال هذه الأيام تسمح بابتكار مقدمة بليغة، حيث أن سعالي يشتد، وأشعر بهزال وصداع مؤلم.. لذا فإنني سأؤجلها إلى أن أتحسن، ولا أظن أن جون سوف يعقب على ذلك..

الآن ـ كما ذكر لي جون في رسالة سابقة ـ عليّ أن أستعد لتقديم ملخص الرسالة يوم الأربعاء ظهراً، أمام عدد كبير من أساتذة وطلبة الدراسات العليا، في جلسة يديرها جون نفسه، وهي تجربة تشبه إلى حد كبير ما قمت به قبل نحو شهر ونصف في السيمبوزيوم الدولي الثالث لطلبة الدكتوراه الباحثين في الإعلام العربي والإسلامي، بإشراف الدكتور نور الدين ميلادي.. وهكذا أفهم أنني إنما دعيت لهذا السيبموزيوم بترتيب قدري، كي أتهيأ لمناقشة ملخص رسالتي يوم الأربعاء، التي سأرتقي بها إلى الجولة الثانية والأخيرة من الدكتوراه..

لكنني ـ برغم ذلك ـ قلق، وعليّ أن أتجهز جيداً، نظرياً وتقنياً.. وهو ما سأفعله بعد أن أعود للمنزل، وأنال قسطاً من النوم.. قد يساعد على تخفيف آلام حلقي وجسدي..

دوائي المر!

منذ أتيت إلى لندن في ربيع ألفين وستة، انشطر وقتي إلى نصفين بفعل نوبات العمل، أحدهما أمضيه بمنزلي في صمت، لا أسمع سوى صدى الذكريات.. وهو ما يضطرني في أحيان كثيرة إلى أن أرفع صوتي بالقراءة.. أما النصف الآخر، الذي أقضيه في العمل وسط زملائي وأصدقائي، فلا أكف فيه عن الحديث والحركة..

هكذا فرض نمط جديد نفسه على حياتي ووقتي.. ولم أجد غير الاستسلام له مكرهاً، خاصة هذا العام، فصرت أتنصل من أي نشاط اجتماعي خلال عطلاتي لأتفرغ للدكتوراه.. وتحول الأمر بمرور الأسابيع والشهور إلى ما يشبه السجن الطوعي.. في زنزانة لا ترافقني فيها سوى الكتب والأوراق، ولا منفذ إليها سوى الإنترنت..

تماماً كعقربي الساعة، اللذيْن يسلكان نفس المسار بلا ضجر.. أكرر طقوسي في صمت مطبق، بحرفية وانضباط، ليست في نيتي الثورة عليها أو حتى محاولة تعديلها.. كيف لي وأنا أسابق الزمن كي أنجز المهمة؟..

أوقات سعادتي مؤجلة، أدخرها لمستقبل تحققت فيه أغلى الأمنيات، كي تكون بمثابة الجائزة.. أشرد في وحدتي، سابحاً في فضاء الأحلام، فأرى نفسي كذلك.. متحرراً من فروض تلك المرحلة، التي تمضي ببطء، يكرسه ضباب لندن، وصمتها الأبدي..

إن الملل هو عيب وحدتي في لندن..

لكن ميزتها هي العزاء لي.. فقد أهلتني هذه الوحدة ـ بتأملاتها ـ للاهتداء إلى معنى الحياة، وقيمة الإنسان، والطريقة المثلى للعيش بين البشر، منحتني أوقات الاختلاء بالنفس فرصة النظر إلى الله، والتحدث إليه، بل ومعه.. فقد أجابني أكثر من مرة بعلامات على التأييد والرضا.. ونبهني إلى أن العالم أكبر من غرفتي في المنزل، ومن الطابق الثالث في إجتون هاوس، وأن هناك من يراني ولا أراه.. يشاطرني كل شبر وينصت إلى همهماتي، وينفذ الخطة المرسومة لي قبل أن أولد..

كتبت في وحدتي وقرأت كثيراً، وشاهدت أفلاماً أكثر.. حفل عقلي وقلبي بأفكار لن يكفي العمر القصير للتمعن فيها.. عرفت ذاتي، وماذا تريد.. وحاسبت نفسي، وروضتها على الصبر والإرادة.. نلت الماجستير، واقتربت من تحقيق حلم الدكتوراه، أنجزت فصلاً في رسالة علمية بلغة لم أتعلمها في طفولتي، ولم أتقنها في صباي.. صنعت أفلاماً، وخططت لأخرى.. لقد ساعدتني الوحدة ـ برغم قسوتها ـ على العمل...

إن وحدتي كالدواء المر!..

الأحد، 7 يونيو 2009

من خواطر القطار!


كم من الآلام في هذا العالم من صنع البشر! الذين يسبّون قسوة الحياة وهم أحد أسبابها.. ويندبون حظهم وهم يستحقونه، ينتقدون أفعال الناس ثم يكررونها.. يلومون على الآخرين حقدهم، وهم أول من يستكثر الخير على الغير.. يدوسون على المشاعر، ثم ينظمون الأشعار، يخفون أسرارهم، ثم ينقبون عن أسرار من حولهم..

يا إلهي..
إننا وقود الحرب التي تقتلنا، ومادة الكراهية التي ننفر منها، فكيف لنا أن نجهل سر تعاستنا؟

السبت، 6 يونيو 2009

ثمْن الطريق في ثلث الزمن!

السابعة والنصف صباحاً..

أنتظر القطار للتوجه إلى العمل.. شارداً كالعادة، خاصة بعد أن مارست عادتي الصباحية بالاستماع إلى أغنيات فيروز الرقيقة..

لم أنم ليلة أمس تقريباً.. أشعر باحتقان في حلقي يزيد من إشفاقي على أمي، التي تعاني من سعال مزمن.. أدعو لها كل مرة أبتلع فيها ريقي، وأشعر بالألم، وأتمنى لو أن ألمي هذا يعيد إليها الصحة والعزيمة..

لكن أرقي دفعني بحماس لاستكمال خلاصة الفصل الأول، التي استعرضت فيها أهم الأفكار التي تناولتها به، كما وضعت قائمة بالكلمات المفتاحية Key words بعد المقدمة ـ التي لم أنته منها بعد ـ لتظهر صورة العمل أخيراً أقرب ما تكون لفصل في رسالة دكتوراه حقيقية..

الآن أفكر فيما مضى من المشوار وما تبقى، فبميزان الكلمات.. انتهيت بالفعل من كتابة ما يزيد عن عشرة آلاف كلمة، والمطلوب للرسالة إجمالاً نحو ثمانين ألف كلمة.. فإذا كان عليّ أن أخطو ثمان خطوات في ثلاث سنوات كي يتحقق الحلم، فها قد قطعت خطوة منهم في أقل من عام.. أي ثمن الطريق في ثلث الزمن..

إن هذا يعني أن عليّ أن أزيد من سرعتي كثيراً خلال العامين المقبلين، وقد يعني ذلك مزيداً من الوقت المخصص للدراسة، ليس بالضرورة على حساب عملي الصحفي، وإنما بمزيد من التنظيم والحكمة في إدارة الوقت..


أتذكر صورة أمي المعلقة على حائط غرفتي، وهي تتشبث بذراعي يوم التخرج من الماجستير، وابتسامتها تنطق بالسعادة والفخر والرضا، أتمتم بالدعاء إلى الله: يارب أعنّي على تحقيق حلم الدكتوراه كي أسعد أمي.. يارب أمدها بالصحة وطول العمر حتى تنال هذه اللحظة التي ستتوج كفاحها وصبرها..

إنني لا أملك سوى الدعاء لأمي، ولا أراهن على سواه.. وهذا هو سلاحي أيضاً في رحلة الدكتوراه...

الجمعة، 5 يونيو 2009

إحصاءات (نصر الدين)!

اضطررت ـ خلال مراجعتي الأخيرة للفصل الأول ـ لحذف فقرات مطولة، لأنها تتضمن إحصاءات غير محدثة، منقولة عن كتب وأوراق علمية، وليست تقارير أصلية.. التقارير مصدرها الوحيد في العادة هو مراكز الأبحاث ـ سواء المستقلة أو التابعة لشركات كبرى ـ وهي مكلفة للغاية، والوصول إليها يكاد يكون مستحيلاً..

كان الوقت فجراً، عندما أنهيت مهامي في العمل قبل ساعتين من موعد انتهاء النوبة.. غادر أحد الزملاء مبكراً كي يستعد لاختبار رخصة القيادة ظهراً، ولم يبق سواي مع زميل آخر.. أخرجت أوراق الدكتوراه آملاً في أن أستكمل مراجعتها الأخيرة، وأرسلها إلى زميلي نيل كوليه، الذي يتطوع دائماً لمراجعتها اللغوية..

ما أن شرعت في المراجعة، حتى اقترب رئيس تحرير النشرات الإخبارية، ممسكاً بيده بضعة أوراق، كانت تتضمن على الأرجح مادة صحفية لتحويلها إلى خبر أو تقرير.. راقبته دون أن أمعن فيه النظر، متمنياً أن يدعني وشأني كي أتفرغ للمراجعة.. وبالفعل، أعطى بالأوراق لزميلي، وكلفه بترجمة تقرير عن بي بي سي الإنجليزية..

تنفست الصعداء.. وواصلت مهمتي بحماس، كنت سعيداً لأن مراجعتي للبحث طمأنتني.. لقد بدا ثرياً ومتماسكاً.. الأخطاء التي عالجتها كانت قليلة، لكن كان عليّ أن أستبعد تلك الإحصاءات الثمينة التي برهنت بها على كثير من النتائج، لأنها ليست حديثة بما يكفي.. عليّ أن أفكر كذلك بأن الرسالة سوف تنشر ـ بإذن الله ـ بحلول عام 2012، وعندها ستكون هذه الإحصاءات من إرث الماضي السحيق، خاصة في مجال الإعلام الحديث، الذي يتطور بسرعة لافتة..

أفقدتني الفقرات المحذوفة بضع مئات من الكلمات، فانخفض إجمالي الفصل الأول إلى ما دون العشرة آلاف كلمة بقليل، لكن لا بأس، لم يعد بمقدوري في هذه المرحلة أن أضيف المزيد، كما أن المشرف لن يزن البحث بالكلمات، كما يحدث عادة في مصر.. أنهيت المراجعة راضياً، وقمت بتنسيق الصفحات على نحو أنيق، وطبعت البروفة الأخيرة..

بفخر لملمت أوراقي، فقد انتهت نوبة العمل مع شقشقات الصباح، ووصل السائق الذي سيعيدني إلى المنزل، غادرت بي بي سي وأنا أفكر في البركة التي تحل بأوقات السحر، فتضاعف الجهد وتأتي بالتوفيق..

في طريقي إلى المنزل كنت أتذكر الفقرات المحذوفة، وكم أرهقني جمعها في الأشهر الماضية، وها أنذا أرغم نفسي على حذفها.. لقد فقدت بضعة أرقام ونسب مئوية، كان من شأنها إضفاء المصداقية على كثير من النتائج والخلاصات، لكن تأثيرها سيكون عكسياً لو لم أحذفها.. عليّ أن أجد بديلاً لها على أي حال.. ليس على وجه السرعة، ولكن خلال المرحلة المقبلة من البحث على الأقل..

لم يهدني تفكيري في هذه اللحظة إلى السبيل الذي سأسلكه كي أعثر على إحصاءات محدثة تتصل بموضوع البحث.. لكنني عزمت على أن أحصل عليها حتى لو اضطررت لدفع المال.. عندما أنتهي من مناقشة الفصل الأول، وأعود من إجازة الصيف، ستكون خطوتي الأولي هي الاتصال بمراكز الأبحاث الناشطة في حقل الإعلام الحديث.. تبدو المهمة مستحيلة وأنا أتخيل أسعاراً لا تناسب إلا عملاءها من الشركات والجامعات، فتلك المراكز البحثية لا تعمل لوجه الله، ولن تتطوع بإمدادي بالمعلومات لأنني طالب دكتوراه فقير..

وصلت إلى المنزل، فتحت التليفزيون على الفور كعادتي، فوجدت تقريري الصحفي ـ الذي انتهيت من إعداده قبل ساعتين ـ على الهواء.. شاهدته، ثم أرسلت نسخة الفصل الأول إلى زميلي نيل عبر البريد الإلكتروني، بعدها انطلقت إلى الفراش...

مضت الساعات وأنا أسبح في فضاءات النوم.. أعيش حياتي الأخرى في الحلم.. ثم فجأة انتشلني جرس الهاتف من تلك الأعماق.. أجبت بصوت متقطع: من؟ نصر الدين؟ نصر الدين من؟ آآآآه.. نصر الدين.. كيف حالك؟ لم أسمع صوتك منذ سنتين.. بالتأكيد سأسعد برؤيتك.. غداً؟ لا بأس..

أعدت رأسي إلى الوسادة.. ونظرت إلى سقف الحجرة وأنا أفكر.. نصر الدين، زميلي في الجامعة خلال فترة الماجستير؟ كان يدرس في تخصص آخر، لكنني تعرفت عليه من خلال صديقنا المشترك زياد.. من اللطيف أن يتذكرني نصر الدين بعد طول غياب.. ولكن ما الذي دفعه للاتصال بي فجأة..

ظللت حائراً حتى التقيته وفق الخطة مساء أمس، اجتمعنا في ميدان ليستر الحيوي، وانضم إلينا بالصدفة مصطفي المنشاوي وأحمد زكي وزوجته شيماء.. بعضهم كان قد التقى نصر الدين ـ الجزائري الأصل ـ من قبل.. جلسنا بأحد المقاهي الإيطالية، وبدأنا واحدة من حلقاتنا النقاشية الممتعة..

على هامش الحديث، سألت نصر الدين عن طبيعة عمله الجديد، الذي يفخر بفعالياته دوماً على الفيس بوك.. فقال لي باعتزاز: باحث في تكنولوجيا الاتصالات..

حدقت فيه النظر، وسألته: ماذا؟ فأعاد الإجابة، لكنها وقعت على أذني هذه المرة مصحوبة بصدى رخيم، وقد محت كل من حولها من أصوات.. ثم أضاف: في مركز متخصص، يجمع الإحصاءات بشكل دوري عن كل ما يتعلق بسوق الاتصالات..
تاه صوته في صمتي المتأمل.. ألهذا أرسلك الله؟ ربما لم تكن تدر أنت أيضاً لماذا ـ وفجأة ـ فتشت عن رقمي واتصلت بي.. ربما كنت منهمكاً في عمل ما، ثم همس هامس في أذنك بهذا الأمر.. الأمر.. أن اتصل بمحمد سعيد، أنه بحاجة إليك..

ـ إنني بحاجة إليك..!

قلتها، واضعاً كفي على صدري ممتناً، ضاغطاً على الأحرف كما لو كنت أذيع نبأ النصر.. وشرعت في شرح موضوع رسالتي، الذي كان هو نفسه المجال الذي يجري عليه أبحاثه لصالح شركات كبرى..

طمأنني نصر الدين، سيمدني بالمعلومات التي سأحتاجها، أياً كانت وفق تأكيده.. سيقضي عطلة نهاية الأسبوع مع أسرته في باريس، وبعدها سنلتقي من جديد، ليزين بحثي بالأرقام والنسب المئوية اللازمة..

عدنا إلى دائرة الأصدقاء، واندمجنا مجدداً في الحديث، لكن كل منا كان قد استقر وجدانه الحائر، بعد أن عرف سر اللقاء، بعد طول الغياب..

وانتهت الليلة الجميلة، بابتسامات الرضا...