الأحد، 13 سبتمبر 2009

رفاق.. بلا اختيار!

لا يختار المرء رفاقه في رحلة القطار.. يقطع تذكرته وهو يجهل هل من الأشرار سيصادف على متنه أم من الأخيار! يجلس بجوار شخص، وهو لا يعلم ماذا يخبئ في حقيبته من أسرار.. لا يدري أي وجهة يقصدها هؤلاء الرفاق.. من منهم مغادر، ومن منهم يعود.. إلى خير.. أم إلى شر وغدر وخيانة.. على المرء أن يقبل بمن يقابل على القطار.. فالرحلة مؤقتة، والوجهة هي الباقية..


إن القطار لا يستبقي شيئاً.. لا الركاب، ولا حقائبهم، ولا مشاعرهم.. هموم الرحلة مسؤولية الراكب.. شاقة كانت أم مسلية.. يطالبك القطار بأن تأخذها معك، أو أن تتخلص منها في سلة المهملات..


البعض يستطيع، والبعض الآخر يحتفظ بالذكريات، بل ويعيد تدويرها.. لا ينسى راكباً ابتسم له، أو آخر وخزه في كتفه.. إهانة الرحلة قد لا تنسى، وجرحها قد لا يطيب ولو بعد حين.. فالذكرى تتشبث بوجدان المرضى بالإنسانية.. مثلي.. أنا... العليل بالإحساس في حياة عامرة بالقلوب الميتة...


يا لها من رحلة، تلك التي أرغم نفسي على تحمل مشقاتها.. فقطاري حافل بالأشرار والحاقدين..

السبت، 12 سبتمبر 2009

نفق اللاعودة!


كلما مررت من النفق المؤدي للقطار في توتنهام هيل ـ حيث أسكن الآن ـ حلت في ذاكرتي أقسى مشاهد الفيلم الفرنسي Irreversible أو "غير قابل للعودة"، حيث وقعت الخطيئة الكبرى، التي غيرت حياة الأبطال جميعاً إلى الأبد..


أشعر وأنا أسير في النفق المقبض، أنني أرى مونيكا بيلوتشي في أبهى حلة، تسير في النفق غاضبة، ولكن برقة.. بعد أن غادرت الحفل بمفردها، تاركة حبيبها فينسيت كاسل مخموراً يهذي.. أشعر أن هذا هو منتصف الليل الحزين، وليس صباحي الجديد في توتنهام هيل، الذي صار عادياً من اليوم الأول..


أسمع طرقات الكعب العالي على الأرض الجافة، يرتطم صداها بوحشية في مربعات السيراميك الأبيض الرخيص، الذي يغلف النفق يميناً ويساراً..


تقع عيني على كاميرا المراقبة، لكني لا أراها.. ففى الفيلم غاب الجميع عن مونيكا، وتركوها فريسة للجنوح الأعمي.. همهمات أحد المارة تستدعي صوت البطل المجرم، البرت دوبونتل، وهو يجر أقدامه ويترنح، تقاومه فتاة ليل سمراء، سأعرف في فصل لاحق من الفيلم أنها رجل مثلي.. يلتفت ألبرت القذر إلى مونيكا الرقيقة، فتنزل نظرته على قلبي كالسهم.. ينقض عليها، فتتأخر خطواتي.. كأنني أعود إلى زمن الفيلم على هيئة شبح عاجز..


تقاوم ذاكرتي تفاصيل الاغتصاب، فيما تقاوم مونيكا أمامي، وتحت قدمي، مصيرها المشؤوم.. تختصر ذاكرتي المشهد إلى حده الأدني، فيبقى منه الأشد عنفاً ومرارة...


عندما أصل لنهاية النفق، أسأل نفسي: كيف تحول هذا المكان إلى غرفة تعذيب معزولة؟ صرخت مونيكا فلم يسمعها أحد.. بينها وبين الشارع الباريسي المتأنق لم تكن سوى درجات السلم وبقية من الممر.. لكن أحداً لم يلتفت.. لكن أحداً لم يسمع...


ماتت بطلتي منكفئة على صدرها.. وطئها الشرير في دبرها فانتحرت كرامتها.. وأفاق البطل المخمور فانتقم ببشاعة، واجهتُها هي الأخرى في ذهول وانقباض..


أصبح النفق بالنسبة لي رمزاً للا عودة، لكنه يعود إلى ذاكرتي في مكان سأرتاده كل صباح.. أما في المساء، فلن يحتاج خيالي للمحاكاة.. فالسر الكامن في الفيلم، سينفضح عندما أرى المشهد من جديد.. رأي العين!

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

ضباب!

أيام عصيبة.. أكاد أفقد فيها شهيتي للبحث، الذي أفلتت مني خيوطه بعد التعديل الكبير الذي اقترحه المشرف.. بدا لي وكأن ما أنجزته منه كاللوحة التي انتهت، ولا يجوز إتلافها بمزيد من الإضافات..
لكنني مخطىء، كما ينبهني دائماً صديقي الدكتور حسين خلف.. فالبحث العلمي قائم على المراجعة، ويجب أن يلين الباحث مع متطلبات البحث، وصولاً لما يطمئن أنه الحقيقة.. وينصحني الدكتور حسين بأن أكون مستعداً للمزيد من التعديلات من قبل المشرف، بل وقد يصل الأمر إلى إلغاء عمل استغرق أسابيع أو شهوراً.. لكنني ـ وكما يقول لي صديقي الناقد أمير العمري ـ أحمل بداخلي سمات شخصية الفنان، الذي يتذوق عمله ويحبه، ولا يرغب في التفريط بسطر واحد مما كتب، أو لقطة واحدة مما صوّر أو أخرج.. لأنه يتربط بها ويتواصل معها وجدانياً...
المهم أنني أعيش هذا الصراع الآن.. أشعر بالتشتت.. فجأة تناثرت مراجعي، وتاهت أفكاري.. أتعثر في كل كلمة وسطر، وتتراقص حولي أشباح الفشل..
أتذكر صديقتي الدكتورة هيام عبد الحميد، عندما روت لي في الإمارات كيف كانت تبكي في بعض الأحيان خلال رحلتها للدكتوراه في بريطانيا.. كانت تشعر أنها عاجزة عن استكمال الطريق.. وهو ما نفس ما ذكرته لنا المدربة الحاصلة على الدكتوراه في أول برامج التدريب الأكاديمي بالجامعة.. يبدو أن ما أمر به الآن هو مخاض مكتوب على أمثالي.. لكن متي سأعبره إلى مرحلة اليقين والسلام النفسي؟! يبدو أنني لم أشعر من قبل بهذا اليقين، وأخشى ألا اشعر به أبداً..
عليّ أن أتغلب بسرعة على تلك الأفكار الضبابية.. الأيام والأسابيع، بل والشهور، تمضي، وسيفاجئني المشرف بطلب المقابلة، ومن بعدها تحديد موعد مناقشة الفصل الأول الذي سيؤهلني للترقي إلى العام الثاني من الدكتوراه.. لقد انحسر حجم الفصل الأول إلى النصف تقريباً بعد تعديلات جون.. ولم أزد عليه من وقتها سوى ألف كلمة فقط.. مطلوب أربعة آلاف كلمة أخرى ذات معنى.. وفق مقترحات جون التي اتفقنا عليها.. وأنا أنقل الآن إلى بيت جديد، وأقضي نصف وقتي في العمل...
رباه!

الاثنين، 24 أغسطس 2009

عاشت الخنازير.. حرة مستقلة!


الإعلام الغربى يواصل حقنه للمشاعر القومية العربية بسموم الطائفية والانقسامات العقائدية. نجح فى ذلك بجدارة على المسرح العراقى، واللبنانى، والآن جاء الدور على مصر!
قبل أسبوعين نشرت الصحافة البريطانية تقريراً مقحماً، يجدد الحديث عما وصفها بمذبحة الخنازير فى مصر ـ خوفاً من تفشى ما بات يعرف بأنفلونزا الخنازير ـ وذلك بعد نحو ثلاثة أشهر من الشروع فى تنفيذ هذا القرار الحكومى المثير للجدل!
برر المراسل الإنجليزى الغرض من تقريره بأنه يرصد آثار تنفيذ القرار صحياً واقتصادياً على جامعى القمامة، وسكان المناطق العشوائية، وهو ما أوحى للقارئ بأن لموعد نشر التقرير مغزى صحفياً مجرداً.. وأن فى محتواه معلومة موضوعية.. والحقيقة أن التقرير خلا من هذا ومن تلك.
انتبهوا معى للطريقة التى سيقت بها الحجج فى هذا التقرير.. انطلق المراسل من الأسباب التى دفعت مجلس الشعب للتصديق على القرار، فذكر نصاً أن (البرلمان ذا الأغلبية المسلمة) صوّت عليه بالموافقة قبل أن ينفذ، هكذا لم يجد من وصف للبرلمان غير ديانة أعضائه، الأمر الذى يجعل المشاهد أمام وجهة نظر تلبس لباس الحقيقة، فالقرار الحكومى بإعدام الخنازير - التى يحرّم الإسلام أكلها - وضع فى سياق دينى، وهو ما يخالف طبيعة النظام السياسى المصرى من ناحية، والرهبة السياسية فى الوقت الحالى من الإساءة للأقباط من ناحية أخرى!
يتصور المراسل أن البرلمان ـ مع كل تحفظاتنا على تشكيلته وأدائه ـ سوف يقامر بتداعيات قرار كهذا، ويوصى به، لأنه فقط ينسجم مع قناعات دينية لدى بعض أو أغلبية أعضائه! وفى تقديرى لم تنتظر الحكومة فيروس أنفلونزا الخنازير كى تنتقم من المسيحيين، لقد عاشت الخنازير فى «مزابل» مصر منذ مئات السنين حرة مستقلة! لم تفكر أشد الحكومات جهلاً أو تطرفاً فى المس بها.. فلماذا الآن؟
ويواصل المراسل مهمته فى استعراض آثار تلك (المذبحة) - على حد وصفه - على لسان نائبة قبطية فى البرلمان، استنكرت على الحكومة قطع أرزاق الغلابة، وتقصد جامعى القمامة، أو (الزبالين) كما لفظها المراسل بالعربية، فقد زادت على نفقات جامع القمامة تكلفة التخلص من أطنان الطعام العفن الذى كانت تتغذى عليه الخنازير، فحرمت أسرة (الزبال) المسيحى من الخنزير الذى كان ينمو مجاناً ثم يباع فيوفر دخلاً معقولاً، كما أضيف لميزانية تلك الأسرة بند إضافى، لنقل مخلفات الطعام إلى مقالب أخرى!
يضيف المراسل استنتاجاً آخر مبتوراً يخلص فيه إلى أن بقايا الأطعمة - التى لا يتمكن جامعو القمامة من إزالتها بالكامل -تبقى فى الشوارع، وأن المستشفيات بدأت بالفعل تتلقى (الحالات الأولى) - بحسب تعبيره - من الأطفال المصابين بالتلوث والتسمم.. فهل طفح الطعام الفاسد فجأة فى شوارع مصر بعد ذبح الخنازير؟ وهل انتظره الأطفال الجوعى لينكبوا عليه ويلتهموا منه، فيصابوا بالأمراض؟ وهل استقبال (الحالات الأولى) - إن صحت المعلومة - يعنى أن هناك ظاهرة؟
إن العفن يملأ شوارع مصر منذ عقود، وهناك مئات الآلاف من الأطفال الذين يفضلون التغذى على القمامة بدلاً من الموت جوعاً.. هذا هو حال بلدنا.. لكن ليس للخنازير علاقة بالأمر.. ولم يزد أو ينقص شىء بالقضاء عليها.. فماذا عساها تفعل قطرة ماء فى بحر؟
أراد التقرير أن يوفر سبباً جديداً للاعتقاد بأن الحكومة والبرلمان يضطهدان المسيحيين فى مصر، بل وعندما يأتى التوافق البرلمانى على قرار يهدف ـ من وجهة نظر المراسل ـ إلى الإضرار بتجارة فئات كادحة أغلبها من المسيحيين، فإن ذلك يعنى أن التصويت بنعم للقرار يمثل رغبة الشعب الذى انتخب (كما يفترض) أعضاء البرلمان.. والخلاصة التى أراد المراسل لها أن تستقر فى وعى المشاهد، هى أن المسلمين والمسيحيين فى مصر أعداء!
أعتقد أن هذا التقرير يتجانس تماماً مع الطريقة التى يغذى بها الإعلام الغربى الانقسامات الطائفية فى المنطقة العربية، بتصنيف حوادث القتل بين سنى وشيعى، وتفسير التوترات السياسية على أنها مذهبية، وإبراز الخصومات الدينية على أنها جوهر أى جدل أو نقاش.. لمست ذلك شخصياً فى تناول الشأن العراقى واللبنانى والفلسطينى سياسياً وأمنياً على السواء - فى الصحف وقنوات التليفزيون الغربية، وهى فرص لا يدخرها الغرب سواء بقصد أو بدون قصد.
ومن المؤسف بالفعل، أن بعض وسائل الإعلام العربى تحاكى ذلك عن جهل!

الأربعاء، 5 أغسطس 2009

مستقبل البلاد!


يتقدم زعيم الحزب بخطواته الواثقة نحو غرفة الاجتماعات، متأبطاً عشرات الأوراق التي سيعرضها على رجال حزبه في اجتماعهم الأسبوعي! يبادر الساعي بفتح الباب والانحناء لدى دخول الزعيم، ثم يغلقه من خلفه، مشيراً لزميله قبل أن يشرع في الثرثرة: شششش! الاجتماع بدأ..!


يتخذ الزعيم مكانه على رأس الطاولة، فيما يتحلق حولها نوابه ورفاق كفاحه من قيادات الحزب.. يفتح الجميع ملفاتهم المتخمة بالبرامج والخطط.. كل منهم يطمع في التصويت لاقتراحه بشأن موضوع الاجتماع المصيري: مستقبل البلاد وسبل الخروج من أزمتها! يستهل الزعيم كلمته الافتتاحية، بعبارة قاطعة: مستقبل البلاد على المحك، وعلينا أن... وفجأة، يرن جرس هاتفه المحمول.. يتلعثم، يلقي نظرة خاطفة على شاشته، ثم يلقي به إلى سكرتيره الشخصي ـ الذي يجلس إلى جواره ـ متظاهراً بعدم الاكتراث، ليستكمل من بعد ذلك الكلمة..

ينتحي السكرتير جانباً وهو يجيب على المتصل بصوت هامس: (...) أهلاً وسهلاً!! (...) لا، الزعيم مشغول الآن! (...) لا يمكن على الإطلاق، لديه اجتماع هام! (...) أي تصريحات تلك؟ لم نسمع بها! (...) ابق معي على الخط، سأعرض عليه الأمر!

من جديد، يضطر الزعيم للتوقف عن استعراض التحديات التي تواجه بلاده، إذ يهمس السكرتير في أذنه: صحفي من محطة تليفزيونية يؤكد أن زعيم الحزب المنافس يدلي الآن على الهواء بتصريحات مضادة لحزبنا، يشكك فيها بولائنا للشعب!!

ينتفض الزعيم واقفاً، وينتزع الهاتف من السكرتير، ويصيح فيما يبتعد عن طاولة الاجتماعات العريضة: كيف يجترىء على حزبنا العتيق؟ كيف يجسر على انتهاك تاريخنا في النضال؟ كيف يقدم على المس بوطنيتنا؟!.. كان المجتمعون قد توقفوا عن التقليب في أوراقهم، ليتابعوا في ترقب ثورة الزعيم..

يسود الصمت لحظة، والزعيم ما زال متشبثاً بالهاتف، قبل أن يندفع مستفسراً من الصحفي بغضب: أنا وهو على الهواء الآن؟ وما أن يأتيه الرد ـ فيما بدا للحاضرين ـ بالإيجاب، حتى ينبرى مجدداً في كيل الاتهامات لزعيم الحزب المنافس، والهجوم عليه، والنيل منه.. يستعرض الزعيم بفخر ماضي حزبه، والمعارك التي خاضها ضد الاستعمار، والانتفاضات الشعبية التي قادها وحقق بها الأمجاد... ثم يستنكر على الحزب المنافس كونه وليداً، تنقصه الحنكة السياسية، وتستقطب شعاراته الحماسية صغار السن فقط...

يخرج الزعيم من الغرفة ليواصل اشتباكه مع منافسه الشاب ـ عبر القناة الفضائية ـ في الردهة المهيبة، أمام عينيْ الساعي الحائرتين... أما السكرتير ـ الذي تسمر في مكانه منذ بدأت ثورة رئيسه ـ فيتناول الريموت كنترول، ويضغط على الزر رقم واحد، وهو يصوبه باتجاه جهاز التليفزيون الضخم، لتظهر الشاشة وقد انشطرت لنصفين، على أحدهما صورة الزعيم بكوفيته التقليدية، وعلى الآخر صورة منافسه بلحيته الكثة..

وتمضي ساعة على الحديث الهاتفي المذاع، وقيادات الحزب لا يغادرون مقاعدهم كما لو كانوا في دار لعرض الأفلام الإباحية.. فبعضهم يجفف عرقه، والآخر يبل ريقه برشفة ماء، وكلما ألقى المذيع بسؤال ماكر على الزعيم، يبالغ الجميع في الإصغاء، ثم يهتفون ويصفقون بعد أن يدلي زعيمهم بالإجابة الشافية، وكأنه أحرز هدفاً في مباراة...

ينتهي البرنامج، ويشكر المذيع ضيفيه، اللذيْن كثيراً ما يلتقيان على وسائل الإعلام، لكنهما لم يجتمعا في غرفة واحدة منذ سنوات.. يردد المذيع شعار القناة الشهير بسعادة، ثم يختم البرنامج، تاركاً جمهوره في غرفة الاجتماعات مستغرقاً في تجهيز عبارات المديح التي سيستقبل بها زعيمه..

تمضي دقائق، نصف ساعة، ساعة.. ولا يعود الزعيم إلى الاجتماع الخطير.. وما زال معاونوه مرابطين حول الطاولة، يمتنعون حتى عن تبادل الرأي في المقابلة أو جدول أعمال الاجتماع انتظاراً لعودة الزعيم.. لكن الزعيم لا يعود...

يخرج السكرتير باحثاً عن رئيسه، يصادف الساعي، يسأله: أين الزعيم؟ يرفع الساعي حاجبيه، ويخفض جفنيه، ويقول: معرفش! لقد ظل يصيح في الهاتف وهو يسير على غير هدى، حتى خرج من مبني الحزب..!!

يسارع السكرتير بالاتصال بالزعيم، متحدثاً إليه بنبرة خافتة كعادته.. وبعد لحظات ينهي المكالمة، ويعود أدراجه إلى غرفة الاجتماعات.. يفتح الباب على مصراعيه، ويهتف في المجتمعين: لقد ألغي الاجتماع...

يقفز الرجال من مقاعدهم، ويسألونه بصوت واحد: لماذا؟؟ فيجيب، مجاهداً ابتسامة: الزعيم نسي نفسه! وظل يسير وهو يتحدث للقناة التليفزيونية، حتى وصل إلى منزله!!

يتطوع أحدهم بسؤاله: وماذا عن مستقبل البلاد؟ فيرد السكرتير بهدوء: سنناقشه الأسبوع المقبل، أو الذي يليه...

أما الساعي فينظر إلى زميله ملياً... لكنهما لا يجرؤان على التعليق!

الاثنين، 27 يوليو 2009

"بهلوانات الصحافة" في البيت بيتك!


نكأت مقابلتي على برنامج (البيت بيتك) ـ ليلة 14 يوليو الماضي ـ جراحاً مزمنة في جسد الإعلام العربي، اتسعت وغارت وتعفنت، ومات الإحساس بها.. استدرجني خيري رمضان بمهارة لنزع الجبيرة الهشة التي أخفينا بها هذه الجراح لسنوات، فإذا بنا أمام وضع صادم يثير الغضب والشفقة في آن.. كان فيلمي عن الواقع الإعلامي من خلال تجربتي الشخصية ـ وهو الذي أطلقت عليه بلا تردد (أي كلام) ـ هو المناسبة التي شجعتنا على إعادة النظر في كل شيء.. لقد نجح الفيلم في أن يقرع أجراس الإنذار من داخل البيت الإعلامي الرسمي، والثمن دفعته طوعاً، عندما شبهت نفسي ـ في لقطة ترمز لما آلت إليه المهنة ـ بالصحفي المهرج، الذي يصفق له الجمهور كما لو كان يؤدي فقرة في السيرك..

كانت هذه الفكرة ـ التي تحديت بها نفسي وزملائي والجمهور ـ هي ما أثار حفيظة البعض على مقابلتي في (البيت بيتك)، إذ كيف ـ من وجهة نظرهم ـ أختزل جمهوراً متفاوت الثقافة والميول، في بعض أفراده فقط ممن يقتلون الوقت بمشاهدة حلقات التوك شو والمغامرات الصحفية وبرامج الميدان، كتلك السيدة التي صارحتني قبل سنوات بأن سر متابعتها لبرنامجي هو أنه (يسليها) وقت إعداد الغداء!! قالتها على سبيل الإطراء، لكنني اختزنت المشهد بألم ودهشة في عقلي الباطن، حتى تمكن الجراح من استخراجه مع ورم في رأسي بعد حين، ليظهر في لقطة سيريالية بالفيلم، أدركت منذ اللحظة الأولي أنها ستصيب زملائي الصحفيين بالصدمة..

لقد حفلت ردود الأفعال على المقابلة والمقتطفات التي عرضت من الفيلم بالعديد من الالتباسات، فمن الزملاء من عاتبني على (تنكري للمهنة)!!، ومن المدوّنين من أشاد بصراحتي بوصفي (المهرج التائب)!!، ومن النقاد من اعتبر التركيز على لقطة المهرج وإغفال الإسقاطات الأخرى استغلالاً للفيلم في حرب بالوكالة ضد الصحافة والصحفيين... لم يهتد أي من هذه التفسيرات للحقيقة التي أراد الفيلم أن يبلغها، وأردت من خلال مقابلة (البيت بيتك) أن أبرزها...

ولعل من تسنت له متابعة أعمالي التليفزيونية خلال الفترة بين عامي 1999 و2005 ـ قبل أن أذهب إلى بريطانيا للدراسة ـ سوف ينتبه للفخ الذي سقط فيه هؤلاء لدى تفسيرهم للفيلم والمقابلة، فلقد كانت برامجي ـ وبعضها على "يوتيوب" ـ منابر لضحايا المنع والرقابة، وميداناً للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.. كل ما في الأمر أنني أردت ـ من خلال الفيلم ـ أن أنقي ثوبي الإعلامي من "دنس" ما يعرف لدى بعض الصحفيين بالـ (الفرقعة)، تلك التي غالباً ما تتحقق على حساب الأمانة والمصداقية..

أما الحقيقة الأهم، التي ضلت طريقها في غمرة النقاش مع زميلي خيري، فهي أن المهرج لم يكن أنا، وإن كنت قد أديت دوره في الفيلم.. كان المهرج هو صورة الإعلام في مرآة الجمهور، محاطاً بكل عناصر التشويق التي توفرها المؤثرات الصوتية والبصرية.. أذكر أنني في شتاء عام ألفين صوّرت حلقة من برنامجي (مقص الرقيب) في معتقل الخيام بعد أشهر من تحرير الجنوب اللبناني، واستعنت بمدير إضاءة لابتكار جو من الإثارة في ممرات السجن.. وهكذا ظهرت في الحلقة وأنا أتجول ـ برفقة أسير محرر ـ في هذه الممرات الضيقة وداخل الزنازين الموحشة، ممسكاً بمصباح، وهامساً بملاحظاتي وأسئلتي في أذن مرافقي... وبعد إذاعة الحلقة كان أطرف ما نشر عنها مقال لكاتب مرموق في صحيفة الحياة اللندنية، أطرى فيه على شجاعتي في (اقتحام السجن سراً بعد منتصف الليل للكشف عن خباياه)!!.. واصفاً حلقة البرنامج بالمغامرة!! لذلك تحديداً فإنني لا أرى اختلافاً بين صناعة الإعلام وصناعة الشيكولاته، كلاهما ينبغي تغليفه بالشيفون والسوليفان قبل بيعه!! وهذه القاعدة الموروثة هي التي أنتجت جمهوراً استهلاكياً، ينجذب فقط للشكل، بغض النظر عن المضمون...!!

الصحفي المهرج ـ الذي لم يتوفر له السياق الدرامي فغاب عن الفيلم ـ كان حاضراً بقوة خلال مقابلتي مع خيري رمضان في (البيت بيتك)، فقد تحدثنا عن الذين يخلطون الرأي بالمعلومة، والذين يبالغون في استعراض القضايا، ويستغلون مشاعر الجمهور، والذين يستحثون ضيوفهم على الصياح، وينافقون السلطة، وينشدون الشهرة على حساب الأمانة والموضوعية، كما تحدثنا عمن يلعبون دور القاضي، ويجارون (أو يخربون) أذواق الجمهور.. تمنيت لفيلمي أن ينوب عني في الاستهزاء بهؤلاء.. لكن خيري دفع بي إلى ساحة الكلام، مطمئناً لتسلحي بفيلم جريء، طالت جرأته صانعه المسكين..!

الثلاثاء، 9 يونيو 2009

الاستعداد لنهاية الجولة الأولى!

ما أن استيقظت من النوم أمس، حتى أرسلت أخيراً نسخة الفصل الأول إلى البروفيسور جون المشرف على رسالتي، بعد الانتهاء من تنقيحها وتنفيذ التصحيحات اللغوية المحدودة التي أوصى بها نيل، لكنني لم أكتب بعد المقدمة، ولا أظن أن حالتي الصحية خلال هذه الأيام تسمح بابتكار مقدمة بليغة، حيث أن سعالي يشتد، وأشعر بهزال وصداع مؤلم.. لذا فإنني سأؤجلها إلى أن أتحسن، ولا أظن أن جون سوف يعقب على ذلك..

الآن ـ كما ذكر لي جون في رسالة سابقة ـ عليّ أن أستعد لتقديم ملخص الرسالة يوم الأربعاء ظهراً، أمام عدد كبير من أساتذة وطلبة الدراسات العليا، في جلسة يديرها جون نفسه، وهي تجربة تشبه إلى حد كبير ما قمت به قبل نحو شهر ونصف في السيمبوزيوم الدولي الثالث لطلبة الدكتوراه الباحثين في الإعلام العربي والإسلامي، بإشراف الدكتور نور الدين ميلادي.. وهكذا أفهم أنني إنما دعيت لهذا السيبموزيوم بترتيب قدري، كي أتهيأ لمناقشة ملخص رسالتي يوم الأربعاء، التي سأرتقي بها إلى الجولة الثانية والأخيرة من الدكتوراه..

لكنني ـ برغم ذلك ـ قلق، وعليّ أن أتجهز جيداً، نظرياً وتقنياً.. وهو ما سأفعله بعد أن أعود للمنزل، وأنال قسطاً من النوم.. قد يساعد على تخفيف آلام حلقي وجسدي..